قصائد مختارة لزبيجنيف هيربيرت

كتبها صالح الرزوق ، في 29 ديسمبر 2007 الساعة: 08:21 ص

قصائد مختارة لزبيجنيف هيربيرت

ترجمة : صالح الرزوق

1 - دراسة في الشيء

  )Study of the Object (

 

1

الأكثر جمالا

 هو الشيء الذي لا وجود له

إنه لا ينفع في حمل الماء

أو في حفظ رماد بطل

إنه ليس في أحضان أنتيغون

و لم يغرق فيه جرذ

و ليس له ثقب و هو مفتوح تماما

و يُرى

من كل الأنحاء و هذا يعني : بصعوبة نفهمه

فشعر كل خطوطه متصل

بتيار ضوء واحد

ليس بوسع

العمى

و لا

المنون

أن تأخذ الشيء الذي لا وجود له

2

ضع إشارة على المكان حيث وقف الشيء

الذي لا وجود له

مربعا أسود سوف  يكون

مرثية بسيطة للغياب الفاتن

برجولة اندم على هذا الأسر في الساحة

3

و الآن

كل الفضاء ينتبج كأنه محيط

و الزوبعة تضرب الشراع الأسود

و جناح العاصفة

يحوم فوق المربع الأسود

و الجزيرة تغرق

تحت ملوحة تنمو

4

حاليا لديك فضاء فارغ

و هو أشد جاذبية من الشيء

أشد جاذبية من المكان

إنه يغادرنا هذه المرحلة سابقة على العالم

جنة بيضاء لكل الاحتمالات

قد تدخل إلى هناك

و أنت تصيح عموديا – أفقيا

بوسعنا أن نقف هناك

في أية حال أنت خلقت عالما

5

استمع لنصائح العين الداخلية

و لا تستسلم

لهمهمات تغمغم و تضرب

هذا هو عالم لم يخلق بعد

و هو يزدحم أمام بوابات خيالاتك

الملائكة يقدمون

طبقات السحب الوردية

و الأشجار تقحم في كل مكان

الشعر الأخضر الطائش

و الملائكة يمتدحون الأحمر القاتم

و يطلبون من عازفي أبواقهم أن يتستروا بالذهب

و حتى الحيتان

تطلب صورة

استمع لنصائح العين الداخلية

و لا تسمح لأحد بالدخول

6

اقتبس

من ظل الشيء

الذي لا وجود له

من الفضاء القطبي

من أحلام يقظة العين الداخلية القاسية مقعدا

جميلا و لانفع فيه مثل كاتدرائية في القفر

ضع على الكرسي غطاء منضدة أجعد

أضف لفكرة النظام

فكرة المغامرة

ليكن هذا اعترافا بالعقيدة

قبل صراع العمودي ضد الأفقي

ليكن هذا ألطف من الملائكة

أكثر غطرسة من الملوك

أكثر جوهرية

من حوت

اسمح له باقتناء وجه الأشياء الأخيرة

نحن نطلب أيها الكرسي إظهار أعماق العين الداخلية

إنسان عين الضرورة حدقة الموت

 In :Polish Literature, trans. By Czeslaw Milosz, 2001

 

2 - أريون

 

   )Arion  ( 

 

هذا هو – أريون

كاروسو الهيليني

سيد الكونشيرتو في عالم أثري

لا يقدر بثمن مثل عقد

أو أكثر من ذلك مثل عصبة من الناس

إنه ينشد لـ

قبعات البحر البيضاء و  للتجار الحمقى

للطغاة و مزادات الطائشين

و لتيجان تصبح داكنة فوق رؤوس المتجبرين

و بائعي شطائر الخبز مع البصل

و هم يقترفون لأول مرة أخطاء نضيفها لصحيفة نقائصهم

عمّا ينشد أريون

 

 

لا علم لأحد بذلك

المهم في الأمر أنه يعيد الانسجام للعالم

فالبحر يحضن الأرض بنعومة

النار تناقش الماء بلا بغضاء

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من ميشيل فوكو حتى ميلان كونديرا

كتبها صالح الرزوق ، في 16 نوفمبر 2007 الساعة: 12:37 م

من ميشيل فوكو حتى ميلان كونديرا

بقلم : صالح الرزوق

 

لم يبتعد فوكو عن الحقيقة كثيرا حينما ربط بين القوة و الجنس. إن تاريخ البشرية المعرّف ( ليس للنخبة ) فقط ، و مع ذلك هو يحتمل التأويلات الفرويدية الأساسية.

فالعنف ، مثلا ، و الذي يعبر عن أصالة الموت في الثقافة ، يدفع هذا المؤشر إلى الحدود القصوى . إنه يحقق مبدأ الغبطة من خلال تجسيد نزواته المعكوسة ، و لكن في نفس الوقت لا يغامر بمبدأ الحياة.

و من المؤكد أن للاقتصاد في تطوره التاريخي هذا التوجه ، إنه يتألف من استهلاك فوضوي ( مريض أو وبائي إن شئت ) ، و من إنتاج منظم ( هو القانون أو اللغة ) ، إنه البنية ، حاملة الصورة ، و التي تتعهد لحكمة البقاء بمضمونها .

و على هذا الأساس يمكن تفسير الرغبة بالتجديد ، فهو تحقيق معلّل للحياة و الموت ، تماما مثلما هي الحروب.

إنها دفاع عن الحياة و لكن بأدوات الهدم  و الخراب ، أو بالتعبير الصوري للهدر.

إن استبعاد العمل بقانون ، أو بنية أنظمته ، يشبه كثيرا الحكم على وجدان موضوعي بإلغائه ، و هذا يتطلب ضمنا استخدام مفردات غريبة ، أو حتى نفس المفردات ، و لكن بسياق مختلف.

فالاستعمار و الذي يعني جوهريا البناء  و ترشيد السلوك الاجتماعي ( من الناحية اللغوية ) هو بمثابة تبديل للعلاقة بين المواطن و بيته ، أو العائلة و مجتمعها ، و أخيرا بمثابة استبدال للروح بأسمائها.

و هذه إشارة مباشرة للانتقال من المجال اللامتناهي و غير المحدود ، إلى المعلوم أو الناجز ، و ربما إلى الاتصال مع الماضي ( كما يقول ميلان كونديرا )، فالاسم هو تعريف لما سلف ، و من لا ماضي له يستمر في طي الكتمان أوفي عداد المجاهيل ( 1 ).

لقد كانت القوة تدل لدى الأفراد على حرية الاختيار و تقرير المصير ، هذا إن اعتبرنا الأفراد تلخيصا للمجتمع ، أو أن المجتمع هو فرد غير متجانس، و شيزوفراني ، و يعاني من ضغط العصاب ، و من الصدام بين الرغبات و الواقع.

غير أن هذا المعنى ذاته ، و في منطق الألفية الثالثة ، أصبح يدل على المعنى التقليدي و المركب للسلطة و المجد. بحيث أن العقل ( و هو تطابق افتراضي بين الصدفة و قوانينها ) يتوازى مع أحلام الإنسانية بحياة مشرقة ، حياة تمتلك زمامها و لو بقوة الأحلام.

و بحيث أن اللاشعور تعريف لأشياء نثرية ، و لا تستجيب إلا لسلطة العاطفة و واجباتها. و ذلك يشبه راية أخيرة نتخيل أننا سنتابع مسيرتها العظيمة عبر القرون ( كما يقول ميلان كون

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العضو

كتبها صالح الرزوق ، في 16 نوفمبر 2007 الساعة: 07:05 ص

العضو

شعر : فرانك بيدارت

ترجمة : صالح الرزوق

 

على كل طرف من أبواب البراد

حزمة من الصور الفوتوغرافية

معبد صغير للعواطف

أنت أقمته بسخرية و لكن بصبر.

تلك الوعود التي تدفعنا  لمواجهة

طموحاتنا ، طموحنا المريض :

نحن نواجهه بشكل أفضل حينما نرى

وعودا قطفناها و هي تموت. زوجتك السابقة و المرحومة

وضعتها على  باب البراد مجددا

بعد أن غادرت زوجتك التالية البيت. بأنفها الحديدي.

بياف لا تندم على شيء : إنها

مجنونة بالماضي ، بالرغبة العذبة للرجوع

إلى نقطة الصفر.  بغير تكاسل أنت

تندم على ما هو غير ممكن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بيان الحداثة : بين المغامرة و النكسة

كتبها صالح الرزوق ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 17:26 م

بيان الحداثة : بين المغامرة و النكسة

بقلم : صالح الرزوق

 

تأخرت الحداثة ( لدى العرب ) حتى نهايات العقد الخامس من القرن المنصرم. و كان بيانها مغامرا و فروسيا ، و يضغط لمصلحة وجدان فردي ، وجدان معزول يبحث عن حل له من قهر الاندماج بجماعة ، أو تعنت الارتباط بقوانين الانتاج.

لقد توجب على الحداثة  ( في سلوكها و أدواتها ) أن تشن حربا و على جبهتين.

-          ضد أصول سلفية ليس لديها من قيمة سوى المحاكاة للماضي التليد. حتى وصل الأمر إلى الدعوة لهجرة جديدة على نمط التغريبة النبوية الشريفة ، و فتح باب الجهاد في سبيل دولة راشدية معاصرة.

-          و ضد أصول محافظة تعتمد في مرجعياتها على العلاقات العائلية.

و لكن هذا النفي لبنية العقل الأصولي لم يكن في الميزان. فقد خرجت الحداثة من أغمادها كردة فعل ضد الماضي و المستقبل ، بمعنى أنها كانت تناوئ بكل ثقلها المشروع المادي و ظاهريات التاريخ. لا شك إن الحداثة تورطت ( أيضا ) في أضغان الرجل الميت ، و هذا وضعها على خط النار في مواجهة أدواتها و بنيتها. لقد حملت أعباء الصراع مع الواقع ( و الإشارة إلى الخطاب و المجتمع أو بنية تخلف النهضة ) و مع نصف العالم ( الإيديولوجي – و الذي كان يبيع الأفكار و يسوقها بنفس مهارته في بيع أدوات ليس لها مكان في علاقات الانتاج ).

إن الحداثة ( و بيانها الأول الصادر بعد الحرب العالمية الثانية ) أشبه بمرثية للوجدان ، و في نفس الوقت أشبه بجنازة لمنظومتها.

لقد كانت النكسة على الأبواب. و في أعقابها تحررت الحداثة من نظافتها ، و تحولت إلى أداة للنقد الذاتي، و إلى أسلوب للمراجعة. و لكن أيضا إلى سلسلة غامضة من الرموز و الاستعارات. و بعبارة أخرى : فقدت الفرصة لتحقيق الاستقلال في الخطاب. إن ارتباطها بدواليب الإمبريالية لم يساعدها على تبرير آليات الوجود و العمل. و كذلك وضعها في موقف حرج بين النظرية و التنفيذ.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحركات الجماهيرية : الأفكار و الواقع

كتبها صالح الرزوق ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 17:23 م

الحركات الجماهيرية : الأفكار و الواقع

بقلم : صالح الرزوق

 

لا بد من التمييز في الفكر السياسي المعاصر و خطابه بين مجموعتين من التناقضات ، و الإشارة إلى مفهومنا عن الديمقراطية الشعبية ، أو القيادة الجماهيرية للدولة.

إن التعبير غير المنظم الذي يدور نشاطه في إطار غامض ، إطار محروم من الإيديولوجيا  أو النظرية ، و هي الأساس في حراك و برامج السلطة يشار إليه ( غالبا ) بمصطلح الشعبوية.

لقد استفادت الإمبريالية ( بالمفردات القديمة ) و المؤسسات التي تتبنى العولمة ( بالتقابل مع العالمية – و هذا تعبير يعود لجابر عصفور ) من هذه الإرادات العامة. فهي تسعى نحو حياة حرة ، و باتجاه هيكل فردي و شخصي،  لتطبيق طموحات و أحلام تدور في بحر ظلامي و مبهم من العواطف.

إن هذه الأساليب ، المحرومة أصلا من أية احتمالات ، تنشط ضد الذات. إنها تدمر عناصرها و مكوناتها و تؤسس لحكومة وهمية الصراع فيها على الاستهلاك ، أو السعادة الصناعية ، أول منعطف لاغتراب الفرد عن وجدان جماعته .

لقد تبدلت طبيعة العلاقات بين الإنسان و العالم ، و أصبحت الرفاهية هي البديل عن الغبطة ، و تركز سلم القيم في الملكية و ليس في الأسلوب ،  أو : في الشكل و ليس في المضمون و لا أعباء انتاجه.

و لا شك أن العالم الثالث تورط في مثل هذه الاتجاهات جزئيا ، و وصل إلى طريق مسدود ، أو بلغة فرويد ( إلى عصاب الواقع ) ، و لم يتبق لديه من حل بغير تفاقم المعضلة. و هذا يفرض على المضامين عقما من ناحية المعاني ، أو تجريدا يختزل الأسماء إلى نفي و النعوت ( و هي مرادف أصلي للغرائز ) إلى صراع بين الحياة و الموت. و لكن ( دائما ) ضمن البنية الواحدة ، و داخل الجوهر الروحي ، أو ما يدعوه ليبنيتز ، بالمونادا ، أصل كل – العالم ، و نتيجة كل – الفرد.

لقد تفاقمت هذه الأخطاء ، و ساهمت في نشر ثقافة وهمية ، أو بالأحرى في الترويج لعلوم تعزز من قهر الروح الحرة و إرادتها ، و تصادر على المستقبل و الحداثة و المعاصرة باسم رومنسيات انتهى أوانها ، رومنسيات في خريف العمر ، تحرض على تفتيت العاطفة الواحدة إلى زمرة من المشاعر ، و تختزل البنية بشكل أفراد. إن عدم التطابق بين الأصول و الصور ، و ربما إلى حد بعيد بين " النثر " الجدلي و خطابه يضع المسألة بين قوسين.

-          سلوك نهاري يمكن اشتقاقه من أساطير يومية ، من لوغارتيمات تنتظر حمولتها من الدلالة و المعاني .

-          ثم نشاط ليلي ضرير محمل برواسب من ثقافة تابعة ، و بطمي و ( أوحال ) الهزائم التي تعيد ضمنا تأهيل ( المفقودات ).

حري بالذكر ، إن هذا الاستبدال في المفاهيم له دور خطير ( خبيث أيضا ) في إعادة تعريف المجتمع و جدله. فهو يحول الشعوب إلى ( ناس ) ، و الطبقة إلى أفراد يضبطهم الوعي النفعي ( العاري و الأجرد ) ، و العامل إلى مرتزق ( أو متكسب ).

إنها شبكة من العلاقات غير المتكافئة ، أو لنقل : أسلوب الغرض منه الاستهلاك و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المهزلة

كتبها صالح الرزوق ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 17:18 م

المهزلة

قصة : إسحق بوشفيز سينجر

ترجمة و تقديم : صالح الرزوق

 

 

من أول نظرة تلاحظ الصفة اليهودية في أدب إسحق بوشفيز سينجر.

إن نصوصه شديدة الصلة بالله ، و بالجانب الروحي و الأخلاقي من المعاناة. حتى أنه حينما يكتب بأسلوب واقعي يبدو كأنه صورة في المرآة ، محاكاة لضرورات الأسلوب و لمنطق المرحلة. لقد تكبد سينجر في مشواره الفني ، الذي توجته جائزة نوبل ، أعباء الدفاع عن لغة منقرضة ، و عن عشق لكل ما هو مندثر و مفقود ، مع معاناة تصوفية و باطنية كانت تدفعه إلى الجانب الميتافيزيقي من الاختيار .

و كذلك كان في حياته و أدبه أشبه برسوله ( موسى ) و هو يضرب في الآفاق بعصاه ، و يقود شعبه المقهور إلى الحكمة و المعرفة ، أو إلى خروج هو قبض الريح ( كما ورد في التوراة – إصحاح أول – سفر الجامعة ).

لا شك أن السر في أدب سينجر يعود إلى العلاقة المعكوسة بين الذات و الموضوع ، فهو يبحث ( من غير كد بلاغي ) عن أخلاق مصنفة سلفا في أوراق من الماضي ، و يسعى وراء اسمه أو صورته المدونة في السجل الضائع. إن المعضلة ليست ، إذا ، في عناء هذا البحث ، و لكن في الوقت المهدور..

و هذه هي أسطورة سينجر الجديدة ، البحث ( مثل بروست ) عن أزمنة مفقودة ، هي عند الفرويديين لا شعورنا ، أو طبيعة جوهرنا الذي يحترق و يستحيل إلى رماد..

** المهزلة - قصة إسحق بوشفيز سينجر –

 

كانت جدران المكتب ، الذي يجلس فيه الدكتور بوريس مارغوليس لقراءة مخطوطاته ، مرصوصة بالكتب. و هناك على الأرض و الأريكة أوراق الصحف و المجلات  و المظاريف المهملة. أضف لذلك ، توجد سلتا نفايات اختنقتا بأوراق لم يسمح  الدكتور للآخرين التخلص منها قبل إلقاء نظرة أخيرة. لقد أصبحت الكتب غير المقروءة ، و المخطوطات ، التي ألَفها هو أو غيره ، و الرسائل غير المفتوحة ، لعنة على هذا البيت. إنها تشجع على تراكم الغبار ، و يمكن رؤية الحشرات و هي تزحف عليها.

كذلك انتشرت في المكان رائحة الحبر ، و شمع الأختام ، و دخان السيجار . رائحة نفاذة و شاذة. كان الدكتور مارغوليس يتشاحن يوميا مع زوجته ماتيلدا ، حول تنظيف الغرفة. غير أن نفاضات السجائر لم تفرغ أبدا من بقايا السيجار و فتات الطعام. لقد وضعته ماتيلدا تحت رحمة حمية خاصة و كان الجوع باستمرار يؤلم الدكتور. كان يواظب على قضم بسكويت بالبيض و الحلاوة  و الشوكولا ، و كان يفضل أيضا القليل من البراندي. و لكن تلقى عدة تنبيهات بخصوص الرماد ، و مع  ذلك ، أنت ترى أكواما صغيرة منه على أطراف النافذة و أذرع الكنبات. لقد طلب الدكتور إغلاق النوافذ ، فالرياح قد تخطف أوراقه بعيدا. لا شيء يمكن التخلص منه قبل موافقته .  و لكن  الدكتور مارغوليس لم يكن يسمح بإتلاف ورقة واحدة. إنه يدقق بالأوراق القديمة من تحت حاجبيه الكثيفين و يتوسل قائلا : " كلا ، الأفضل أن أحتفظ بهذه في متناول اليد لفترة أخرى من الوقت ".

و ما تيلدا تسأل " و كم يطول هذا الوقت ؟. حتى عودة المسيح المنتظر ؟".

و يرد الدكتور مارغوليس قائلا مع تنهيدة : " حقا  كم سيطول الوقت بنا  ؟".

 إذا كنت في التاسعة و الستين من العمر ، و لديك قلب واهن ، لا تستطيع إرجاء الأمور إلى الأبد. لقد فرض عليه طول اليوم القصير أشياء لا تعد و لا تحصى. كان  يتلقى هنا في وارسو من شخصيات اعتبارية اتصالات ، و مصدرها إنكلترا و أمريكا ، و حتى ألمانيا حيث استلم مقاليد الأمور ذلك المعتوه هتلر. و لأن الدكتور مارغوليس ينشر دراسات نقدية  ، من حين لآخر ، في المجلات  كان المؤلفون يرسلون له كتبهم ليناقشها. و في إحدى المراحل اشترك بعدد من المجلات الفلسفية ، و مع أنه منذ فترة لم يجدد اشتراكه ، كانت تصله الأعداد إلى عنوانه مع إلحاح في سداد قيمتها. معظم الباحثين من جيله لقوا منيتهم. و هو بالذات ، لحقبة من الزمن ، كان أشبه بالمنسي. و لكن الجيل الجديد اكتشفه كرّة أخرى ، و هو الآن تنهمر عليه رسائل الثناء و التقدير مع كافة الطلبات. و بعد أن عزم على غض النظر عن أفضل مؤلفاته المطبوعة ( مجهود استغرق خمسة و عشرين عاما من العمل الدؤوب ) ، اتصل به ناشر من سويسرا. و اقترح عليه مبلغ خمسمائة فرنك  كمقدم أتعاب.  الناشر الآن بانتظار المخطوط. و لكن تبين للدكتور مارغوليس أن هناك في عمله قدرا لا يستهان به من الأخطاء ، و التخمينات غير الدقيقة ، و حتى التناقضات. و هو على غير يقين  أن فلسفته ، التي تؤيد العودة إلى الميتافيزيقا ، ذات نفع. في التاسعة و الستين لم تكن لديه الرغبة برؤية اسمه على مطبوعات جديدة. لو أنه غير قادر على إبتكار منهج منضبط و منسجم ، من الأجدى له أن يلتزم الصمت.

جلس الدكتور مارغوليس : منكبان عريضان ، رأس يميل إلى الأمام ، و شعر أشيب يلف رأسه مثل الرغوة ، و أطراف لحية قصيرة ممشطة إلى أعلى و باتجاه شاربه الرمادي ، الذي يحترق دوما بسيجار لم يتبق منه غير عقب صغير. ثم وجنتان بدينتان. و بين حاجبين كثيفين ، و جيوب جلدية منتفخة : العينان نفسهما ، سوداوان و قاتمتان ، و على الرغم من الاهتمام الذي تعكسانه ، و النظرات الثاقبة ، تلمح فطرته الطيبة. إنهما عينان تغطيهما نتوءات مدببة سمراء ، مع طبقة براقة بدأت بالتشكل ، و لابد عاجلا أوآجلا من أن يخضع الدكتور لعمل جراحي. أضف لذلك خصلة من الشعر برزت من منخريه و من أذنيه . كانت ماتيلدا في كل صباح تذكره بارتداء معطف و خف منزلي ، و لكن بمجرد نهوضه من الفراش ، يعمد إلى ارتداء بذة سوداء ، و خف رقيق ، و قميص بياقة جامدة ، و ربطة عنق قاتمة. لم يكن ينصاع لزوجته أو أطبائه. كان يصب الدواء في المغسلة ، و يلقي بالحبوب في النفايات ، و لا يتوقف عن التدخين ، و يلتهم كل ما أمكن من الحلويات و الأطعمة الدسمة. و الآن ها هو في مقعده يقرأ و يتمعن. كان يعبث بلحيته ، و يشهق بأنفاسه ، و يصر بأسنانه.

ثم يقول : " هراء. ثرثرة فارغة. هذا غير معقول ".

ظهرت ماتيلدا على الباب ، ناعمة و بدينة كالبرميل ، بكيمونو حريري و خف مفتوح سمح لأنامل قدميها المهروستين بالبروز. و حينما وقع بصر الدكتور مارغوليس عليها ، شعر بالصدمة. هل هذه هي المرأة التي وقع في حبها ، و أخذها من بين ذراعي رجل آخر قبل اثنتين و ثلاثين سنة. ؟. لقد تضاءل حجمها و ترهلت ببدنها ، و أصبحت لها معدة مثل الرجال. و بما أنها عمليا من غير رقبة ، كان رأسها المضلع و الكبير يستقر فوق كتفيها ، مع أنف أفطس و شفتين مكتنزتين و فكين يذكران بكلب  من نوع بولدوغ. و كانت فروة رأسها واضحة من تحت شعرها. و أسوأ ما في الموضوع اللحية التي بدأت بالظهور ، كانت تحاول أن تحلقها ، و تشذبها ، أن تحرقها ، و لكنها لم تتوقف عن النمو.  أما بشرة وجهها فقد كانت تغطيها جذور لنتوءات متماسكة لا تستطيع أن تحدد لها لونا. و كان الروج يتقشر من ثنيات وجهها ، و كأنه دهان زيتي. و كانت لعينيها نظرات جريئة و ذكورية.  تذكر الدكتور مارغوليس حكمة لشوبنهاور تقول : للمرأة مظهر و عقلية طفل صغير. لو أنها بلغت بعقلها سن النضج ، فإن وجهها سوف تكون له ملامح الرجال.

سألها الدكتور مارغوليس : " ماذا تريدين مني ؟".

" افتح نافذة. الرائحة هنا كريهة ".

" حسنا . دعي الرائحة الكريهة حيث هي ".

" ماذا عن المخطوط ؟. إنهم بانتظاره في بيرن ".

" فلينتظروا ".

" كم من المفروض أن يطول انتظارهم؟. مثل هذه الفرصة لا تأتي في العمر غير مرة واحدة ".

ألقى الدكتور مارغوليس قلمه ، و استدار بنصف زاوية نحو ماتيلدا و نفخ في الهواء سحابة من الدخان. أخذ نفسا آخر ثم بصق قليلا من التبغ الذي يتجمع.

و قال : " سوف أعيد لهم مبلغ الخمسمائة فرنك ، يا ما تيلدا".

تقهقرت ماتيلدا  و هي تقول : " تعيد الأموال ؟. هل أنت مجنون".

" لا فائدة. لن أنشر شيئا لا أقر به. ليس من المهم أن يمزقني الآخرون إربا إربا . و لكن يجب أن أقتنع بميزات عملي".

" كل تلك السنوات و أنت تصر إنه عمل ممتاز".

" لم أذكر ذلك. أملت أنه ذو نفع و لكن في الوطن يقولون : الأمل و الإنجاز عالمان منفصلان.".

ثم مد الدكتور مارغوليس يده ليأخذ سيجارا آخر. و هنا صاحت ماتيلدا : " لن أعيد فرنكا واحدا ".

" كوني متعقلة. هل ترغبين أن أتحول في هذا العمر إلى  لص ؟".

" أرسل لهم المخطوطة إذا. إنها أفضل ما أنجزت. ما هذه الفكرة الحمقاء التي وقعت تحت تأثيرها. على أية حال ، كيف يمكن أن تكون قاض على نفسك؟".

" من يقوم بهذه المهمة إذا. أنت؟".

" أجل. أنا. الآخرون ينشرون كتابا كل سنة. و أنت تنكب فوق سطورك الغامضة و البائسة كدجاجة فوق بيضاتها. .. أنت تلهو و تفسد كل شيء. .. النقود ليست معي. لقد أنفقتها.. النقود لا معنى لها إذا بقيت تخشخش في جيبك. بدأت أشعر أنك على وشك الخرف".

" ربما أنا كذلك".

" النقود ليست معي الآن".

همهم الدكتور مارغوليس لماتيلدا و لنفسه أو ما شابه  قائلا : " حسنا ، حسنا ، لا بأس ".

لعدة أيام كان يتهيأ كي يزف لها هذا النبأ ، و لكن كان يخشى من العواقب. الآن بعد أن قضي أسوأ ما في الأمر بطريقة أو أخرى سوف يعثر على خمسمائة فرنك. و لو أنه فشل في جميع مساعيه سوف يقترض من المصرف. سيوافق موريس ترايبيتشير. على أية حال إن ما يسمى بخلوده ، فهو موضوع من طي الماضي. مسألة بحكم المفقودات. لقد صرف وقته في السنوات الماضية ( سنوات برلين و كذلك سنوات وارسو ) على محاضرات و مقالات و مؤتمرات خاصة بالصهيونية. ثم ، ماذا لو أن عمله نشر و قرظه عدد من الأساتذة ؟. في الوقت الراهن ليس للفلسفة من أهمية ، إنها تاريخ الوهم البشري. لقد وصل بها هيوم حتى الأوج ثم دفنها. و حاول " كانت " أن يبعث فيها أنفاس الحياة ، و لكنه فشل. و أولئك الذين أعقبوا الألمان لم يكتبوا غير هوامش. بأنامله التي صبغها التبغ شرع الدكتور مارغوليس بالبحث عن أعواد كبريت. كانت لديه رغبة عارمة  في التدخين. ثم مجددا استدار نحو الباب.

" ما زلت هنا ، أليس كذلك ؟".

" أردت أن أخبرك عن نيتي في إرسال المخطوطة غدا ، سواء راق لك الموضوع أم لا ".

" أنت من سيقرر إذا ، و لكن كلا. سوف ألقي بها اليوم في النفايات ".

" لن تجرؤ. ماذا يبقى لنا من ضمانات في آخر عمرنا ؟. هل نتسول ؟".

قرض الدكتور مارغوليس بأسنانه.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحادث

كتبها صالح الرزوق ، في 18 أكتوبر 2007 الساعة: 07:45 ص

 

الحادث

قصة : راسبورام كريشناسوامي نارايان

ترجمة : صالح الرزوق

كنت عائدا من معبد الهضبة . لقد احتجزت هناك حتى قرابة الساعة التاسعة. و كنت أقود السيارة على السفح ، ثم انعطفت باتجاه اليسار ، و تابعت لعدة ياردات نحو الأسفل ، و هنا زهق المحرك و أصابه الإحباط ، و اهتزت السيارة كلها و انتفضت ، ثم انتهت إلى التوقف التام. كانت الهضبة تشرق من خلفي ، و بنات آوى تعوي في الظلام. بشرف غادرت العربة ، و درت حولها ، ثم فتحت الغطاء ، و أخذت منها نظرة عميقة. و لكن ما نفع ذلك؟. لم تكن لدي خبرة بمكونات السيارة من الداخل. كانت سيارتي مطيعة ، و أحيانا حينما تمر بمشكلة ، أدفعها حتى أقرب ورشة. و الآن بدأت أدور حولها ، و لعدة مرات ، أحيانا أفتح الغطاء و أحيانا أغلقه ، و أبذل جهدا عقيما بغاية تدوير المحرك. و سريعا أدركت أنه من الحماقة الدوران بهذا الشكل ، مع المحاولة هنا و هناك ، على أمل أن تنطلق بطريقة ما. جلست على الرفراف ، و رمشت بعيني ، ، و تمنيت أن يمر من هذا الطريق سائق ليمد لي يد العون. انقضى الوقت ، دون أية إشارة لمخلوق. هزت الرياح النوافذ الجانبية ، و حشرات لا تراها العين كانت تطن و تحبو في الجوار. ثم شعرت كما لو أنني على كوكب غريب و ما من مخلوق حي سواي.

و في الحال قلت بنفسي : " سأعد حتى العشرة و إن لم تتحرك السيارة سأتركها و أتابع إلى البيت سيرا على الأقدام ".

نظرت إلى الأرض و بدأت بالعد. " واحد ، إثنان ، ثلاثة …". و على ما أعتقد بعد أن وصلت حتى الثمانية أو التسعة عدت إلى الواحد و كررت المحاولة. صعدا و نزولا و من غير تراجع كنت أعد مثل المنادي في المزاد العلني. و في أعقاب نصف دزينة من التعداد استدرت إلى الخلف لأشاهد خيالا بجانبي. جمدتني المباغتة.

" متى حضرت إلى هنا ؟. من أنت ؟".

" أتيت منذ دقيقة يا سيدي ".

" لم أسمع صوت وصولك . من أنت ".

" اسمي أنيل دوس. و أنا سائق يا سيدي ".

" سائق سيارات ؟".

" نعم ".

ظاهريا لم أصدق أن الآلهة أخذت تهديداتي و وعيدي بترك السيارة على محمل الجد ، فأرسلت لي ميكانيكيا و على الفور .

" من أين أنت قادم ؟".

" بالعادة أتواجد في هذه الأنحاء، يا سيدي ".

" قلت إنك سائق ".

" تحطمت السيارة و منذ حينه لا سيارة معي ".

" و لكن ماذا تفعل لتكسب قوتك ؟".

" آه . ما من صعوبة في ذلك ".

خطر لي أنه معتوه ، أو ثمل قليلا ، و لم أهتم بتفحصه بتمعن.

" انظر  هنا ، يا إيمي دوس ، لقد تعطلت سيارتي فجأة. و لا أعلم ما هو خطبها. هل بمقدورك أن تساعدني لتنطلق ؟".

فتح غطاء المقدمة ، و تفحص المحرك. وضع رأسه في السيارة ، و حرر المكابح.

سألته" هل ترى أي شيء ؟".

قال : " آه .تماما".

قلت له : " و لكن العتمة هنا شديدة!".

كان الضوء الوحيد الذي بحوزتنا هو لمعان أطراف الغيوم و الذي يعكس أضواء المدينة.

خرج من السيارة ، و ذكر مباشرة تشخيصه للمعضلة.  " إنه عدم تلامس. و مشكلة في الضغط …"

" كنت قد فحصتها منذ عدة شهور مضت. هذا غير وارد. كانت السيارة تتحرك بشكل صحيح. و لا يمكن لكل ذلك أن يحصل في هذا المكان ؟ ".

 

" آه ، بلى . الأسوأ حصل هنا. إنه مكان وعر. يا سيدي ".

" ماذا تقصد بكلمة وعر ؟".

" حسنا أمور لا نفهمها تحصل للسيارات هنا ، ،هذا مكان رديء حقا يا سيدي ".

" هل تقول إنه بمجرد مرور السيارة من هنا تهبط لوالبها. و ضغطها يختنق . و المدخرة تنفد ؟".

" أجل يا سيدي ".

قلت له : " يا للغرابة ".

" هذا أمر مزعج يا سيدي. على سبيل المثال ، في هذا الموقع تحطمت سيارتي ، و هي من نوع أوستون سيدان ، لم يمض على ذلك أكثر من شهر ".

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الذات ضد العالم : رواية جديدة لماريو فارغاس ليوسا

كتبها صالح الرزوق ، في 18 أكتوبر 2007 الساعة: 07:43 ص

الذات ضد العالم : رواية جديدة لماريو فارغاس ليوسا

بقلم : صالح الرزوق

 

يحتل ماريو فارغاس ليوسا مكانة مرموقة في أدب أمريكا اللاتينية.  لكن هو شأنه مثل ماركيز ، الذي فتح للعالم الثالث بوابة تقوده إلى إمبريالية متأخرة ، بالأحرى إلى إمبرطورية تخلف و فساد و قهر ، تجد في مسيرته خطا فاصلا أو علامة مميزة.

و على هذا الأساس يتحول الماضي لديه إلى مستقبل صورته في عالم من إثنين :

نصف  ( من قبل )  تسيطرعليه علامات الغطرسة أو الماشيزمو ( كما يعرّفها لنا غراهام غرين في السلطة و المجد ) .

و نصف ( من بعد ) حيث السيادة دائما للمحبة و للحياة ، لما يتطور في رعاية و مباركة من الوجدان و مشتقاته.

لقد أصبح لأمريكا اللاتينية على يد ليوسا ( و زملائه ) تاريخ حقيقي لا يمل من تكراره أحد ، لأنه دائما غريب و بعيد عن الأناقة و المظاهر. و لأنه دائما متوحش ونقي بآثامه التي لا تحصى و بمفاسده الشريرة و التخريبية ( كما هي الحال في رواية البيت الأخضر ) ، ثم تاريخ معاكس ينمو من وراء الإيديولوجيات ، أحيانا من فوق الواقع ليدق بأيد دامية على أبواب السماء.

ليوسا ( هنا ) يطلب الإذن ليكون على عتبات الأبدية.

و الإحالة لروايته الأخيرة ( شيطنات الطفلة الخبيثة ) التي صدرت في دمشق و بيروت و بغداد في طبعة واحدة ،  بترجمة أمينة و إبداعية للأستاذ صالح علماني.

منذ السطور الأولى و حتى النهاية  تتجه الرواية و أحداثها بعكس كلمة الناشر ( دار المدى ) التي تؤكد على النكهة الخاصة للحب عند ليوسا.

لا شك أن هذه الرواية تشبه قصيدة غزل طويلة. و لكن تقودها على الدرب ( بالمعنى الفرويدي ) و غير المحتشم الرغبات المؤجلة.

إن الرغبة في مضمار الأفكار ماهية ، و هي ( من كل بد ) ليست نعتا  قاصرا – أو خبرا ، وليست نشاطا مع عاطفة الحياة البسيطة و تصوراتها . إنها تقترب كثيرا من الضغط على الإرادة العامة لمصلحة إرادة خاصة أو انطباع شخصي.

لقد استخدم ليوسا في هذه الحالة ضمير المتكلم ، أسلوب الذكريات ، و حاول أن يتوازن بتعابيره و صوره مع لغة النصوص التوراتية و مع إله من غير رسالة.

كان المؤلف ، و هو يرحل من بلد إلى آخر ( من البيرو في جنوب العالم ) و حتى اليابان ( في أقصى الشرق ) ، من حياة تحكمها الأساطير و الخرافات و الصراع من أجل البقاء، إلى عبث صناعي تقوده المافيا ،  يشبه من يبحث عن ذاته و عن وطنه البعيد و المهاجر و عن أحلامه. بالأحرى عن المملكة الذهبية لإيديولوجيات لا تملك غير الوعود و احتمالات 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سرد العائلة : بين المجتمع و العالم

كتبها صالح الرزوق ، في 18 أكتوبر 2007 الساعة: 07:36 ص

سرد العائلة : بين المجتمع و العالم

بقلم : صالح الرزوق

 

من الأعمال الأدبية الجديدة نسبيا تأتي رواية ( عائلة وايت ) لماغي جي كعلامة في المشهد الروائي المعاصر، علامة مطيعة و لكن مختلفة ، أو بالأحرى : لحن آخر من سرد الأسرة.

و مع أن الرواية شديدة الصلة بالهموم اليومية لعائلة تعيش أزمتها في بداية الألفية الثالثة، يبدو لنا إحساسها بالتاريخ ضعيفا ، أو فانتازيا ، و ذلك على حساب ترتيب أوراق اجتماعية أخرى..

لا شك أن هذه الرواية ضاعت بين عدة اختيارات ، و عدة أساليب ، تماما مثل ضياع أفرادها خلف أقدارهم الشخصية : انهيار الأب ألفريد ، الاستلاب القهري للأم ماي ، و انفصال الأبناء ، و ربما صراعهم فيما بينهم حول مسائل أبدية : كالعنصرية  و الحب و الزواج و الميراث و ما شابه ذلك..

لقد كان لدى السيدة ماغي جي إحساس ضروري بتقاليد سرد العائلة ، و من ذلك تفسير العلاقة بين الكلمات و الأشياء . إن عاطفتها لم تركز على " نثر العالم " أو إعادة اكتشاف موقع الوعي من المعرفة و إعادة تأهيل القانون بالنسبة للنظام ، و لكنها حاولت أن تقرأ الأشخاص من أجل تحديد المسافة التي تفصل الإنسان عن مكان يعيش فيه ، سواء كان ذلك مؤسسة يعمل بها أو بيتا يأوي إليه.

و كان لديها إحساس فانتازي أيضا بطبيعة البدايات ( في صيغة الجمع ) و طبيعة النهاية ( بصيغة المفرد).

لقد كان الخلاف بين الأسباب و النتائج موضوعيا و مثل الخلاف بين الوجدان و المعاني. إنه صورة أخرى لأفراد  يكتشفون المصير البائس و الفاجع ، أو النهاية المقدرة سلفا ، لبيت تعصف به الرياح.

و هذا حمل ألفريد - رب العائلة ( كما يقول الناشر ) إلى التساؤ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصائد للشاعر البولندي آدام زاغاييفيسكي

كتبها صالح الرزوق ، في 18 أكتوبر 2007 الساعة: 07:33 ص

قصائد للشاعر البولندي  آدام زاغاييفيسكي

ترجمة و تقديم : صالح الرزوق

 

بالانسجام مع الظروف الخاصة للحضارة السلافية و هي تأخذ استعداداتها لمنعطف الألفية الثالثة ( انظر ستيفين أوغوستين ، ملحق التايمز الأدبي ،  30 آب 2006 * )، كان على الشعر البولندي أن يعدد من أساليبه، و أن يكسر الأغلال الديكتاتورية للإيديولوجيا المهيمنة. لقد برهنت التجربة الذهنية لهذه المنظومة من الأفكار و المعارف أن مفهوم القوة النيتشوي ( و هو اسم نوع روج له في الغرب كل من فوكو و إدوارد سعيد ) هو ذو مفعول نسبي. و إن الصورة التي نحن بالعادة نطابق من خلالها بين المفردات و المفاهيم ليس لها دائما الظل الدلالي ذاته. لقد كان الشعر البولندي بعد المرحلة الرومنسية و الحزينة ، المتباكية إنما بدموع باردة منشؤها تراجيدي و ملحمي ، و دورها يقتصر على تطهير العواطف من إثم المكبوت ( تماما كما هو الأمر في المنظور الأرسططالي ) ، يعاني من الزهد في المعاني ، و لكن لحساب ازدواجية في المواقف ( أو من أجل تمثيل مضاعف للقيم ) به يطرأ انتهاك للبنية ، ثم للصورة ، و أخيرا لحدود الحوض المعرفي.

لقد استطاعت الأرجوزة العاطفية للمعاناة عند البولنديين أن تحرض القصيدة حتى تتحول إلى ترنيمة من غير شكل ، أو بالأحرى من غير اسم. و قل الشيء ذاته عن المغامرة النثرية ، و التي أصيبت بأمنيسيا في الذاكرة ، و لمصلحة رسالة ( أو خطاب ) عملي و تداولي ، معه تضيع الفروق التقليدية بين الشعري و النثري ، أو العاطفي و العقلي. لا شك أصبح من المقدر للنثر أن يتحمل الأبعاد التراجيدية و الأصيلة للاشعور ، الهو ( عند فرويد ) ، و الروح ( عند هيغل ) ، و هلم جرا….

و إن انتهاك القوانين الفطرية للقصيدة لما ليس هي ، فرض عليها بذاتها إرادة هذه التحولات الوبائية و غير النموذجية.
لقد تبنى الإنشاد الشعري أخيرا ( بما هو من الفنون النوعية ) الطريق الأقصى لترابط الدوال مع مدلولاتها، سواء كانت هذه من عالم الظلال ( الدوائر المكبوتة و هي تحت رقابة متزمتة ، كما لو أن السياسة أو الحياة ليست إلا بورنوغرافيا محرمة ) ، أو التي تنتمي فعلا للواقع الجدلي و الموضوعي و هو رهين اختياراته و صيرورته.

و بتقديري إن التضامن بين الأصل الناري لمبدأ الرفض ( عند الثنائي : ميوش و زاغيفيسكي ) ، الذي حول القيمة الشعرية إلى مانيفستو غامض ، إلى سر مكتوم إلا في حدود تجربة الأنتلجنسيا ، و الأصل المائي لمبدأ القبول ( عند نظيرهما الثنائي الآخر : هيربرت و شيمبورسكا ) و الذي كان علنيا و مبصرا ( = تواصليا ) هو من استعاد للقصيدة البولندية الأخيرة بعدها الرومنسي ، بمعنى أنه هو الذي حرض لديها استاطيقا الشعور ، و الانتباه ، و القلق على المصير ، إلخ

و هنا ( أدناه ) نماذج ( لم تترجم من قبل ) لزاغييفيسكي تؤكد هذا الاندماج الفوق طبيعي بين الحياة و الخيال من خلال الصورة و مراجعها ..

 

§        بليك

 

 

ها أنا أراقب ويليام بليك ، الذي يشاهدالملائكة

في كل يوم بين قمم الأشجار 

و الذي قابل الله على عتبة السلالم

في بيته المتواضع ، و الذي شاهد النور في أزقة باهتة –

بليك الذي مات

و هو يغني بمرح

في مدينة لندن حيث تجد حشودًا

من المشاة و قباطنة البحر و المعجزات ،

إنه ويليام بليك  النقاش ، الذي كافح

و عاش بفقر و لكن بلا يأس ،

و الذي حاز على إشارات تحترق

في البحر و في سماء تغزوها النجوم ،

و الذي لم يفقد الأمل أبدًا ، ما دام الأمل

يولد باستمرار مثل التنفس ،

ها أنا أشاهد من ساروا مثله على الدروب الرمادية و الكالحة ،

باتجاه بستان الفجر و الورود.

 

 

§        حروف الطباعة الصغيرة

 

كل الأحداث الجسيمة التي مرت بك ،

تنقض فجأة من غير سابق إنذار،

و المعارك المشرّفة التي تخوضها

هي ضد أشقاء من صلبك

- ها أنت حقا تستعمر قطرة الفولاذ و المناجم،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي