المهزلة
قصة : إسحق بوشفيز سينجر
ترجمة و تقديم : صالح الرزوق
من أول نظرة تلاحظ الصفة اليهودية في أدب إسحق بوشفيز سينجر.
إن نصوصه شديدة الصلة بالله ، و بالجانب الروحي و الأخلاقي من المعاناة. حتى أنه حينما يكتب بأسلوب واقعي يبدو كأنه صورة في المرآة ، محاكاة لضرورات الأسلوب و لمنطق المرحلة. لقد تكبد سينجر في مشواره الفني ، الذي توجته جائزة نوبل ، أعباء الدفاع عن لغة منقرضة ، و عن عشق لكل ما هو مندثر و مفقود ، مع معاناة تصوفية و باطنية كانت تدفعه إلى الجانب الميتافيزيقي من الاختيار .
و كذلك كان في حياته و أدبه أشبه برسوله ( موسى ) و هو يضرب في الآفاق بعصاه ، و يقود شعبه المقهور إلى الحكمة و المعرفة ، أو إلى خروج هو قبض الريح ( كما ورد في التوراة – إصحاح أول – سفر الجامعة ).
لا شك أن السر في أدب سينجر يعود إلى العلاقة المعكوسة بين الذات و الموضوع ، فهو يبحث ( من غير كد بلاغي ) عن أخلاق مصنفة سلفا في أوراق من الماضي ، و يسعى وراء اسمه أو صورته المدونة في السجل الضائع. إن المعضلة ليست ، إذا ، في عناء هذا البحث ، و لكن في الوقت المهدور..
و هذه هي أسطورة سينجر الجديدة ، البحث ( مثل بروست ) عن أزمنة مفقودة ، هي عند الفرويديين لا شعورنا ، أو طبيعة جوهرنا الذي يحترق و يستحيل إلى رماد..
** المهزلة - قصة إسحق بوشفيز سينجر –
كانت جدران المكتب ، الذي يجلس فيه الدكتور بوريس مارغوليس لقراءة مخطوطاته ، مرصوصة بالكتب. و هناك على الأرض و الأريكة أوراق الصحف و المجلات و المظاريف المهملة. أضف لذلك ، توجد سلتا نفايات اختنقتا بأوراق لم يسمح الدكتور للآخرين التخلص منها قبل إلقاء نظرة أخيرة. لقد أصبحت الكتب غير المقروءة ، و المخطوطات ، التي ألَفها هو أو غيره ، و الرسائل غير المفتوحة ، لعنة على هذا البيت. إنها تشجع على تراكم الغبار ، و يمكن رؤية الحشرات و هي تزحف عليها.
كذلك انتشرت في المكان رائحة الحبر ، و شمع الأختام ، و دخان السيجار . رائحة نفاذة و شاذة. كان الدكتور مارغوليس يتشاحن يوميا مع زوجته ماتيلدا ، حول تنظيف الغرفة. غير أن نفاضات السجائر لم تفرغ أبدا من بقايا السيجار و فتات الطعام. لقد وضعته ماتيلدا تحت رحمة حمية خاصة و كان الجوع باستمرار يؤلم الدكتور. كان يواظب على قضم بسكويت بالبيض و الحلاوة و الشوكولا ، و كان يفضل أيضا القليل من البراندي. و لكن تلقى عدة تنبيهات بخصوص الرماد ، و مع ذلك ، أنت ترى أكواما صغيرة منه على أطراف النافذة و أذرع الكنبات. لقد طلب الدكتور إغلاق النوافذ ، فالرياح قد تخطف أوراقه بعيدا. لا شيء يمكن التخلص منه قبل موافقته . و لكن الدكتور مارغوليس لم يكن يسمح بإتلاف ورقة واحدة. إنه يدقق بالأوراق القديمة من تحت حاجبيه الكثيفين و يتوسل قائلا : " كلا ، الأفضل أن أحتفظ بهذه في متناول اليد لفترة أخرى من الوقت ".
و ما تيلدا تسأل " و كم يطول هذا الوقت ؟. حتى عودة المسيح المنتظر ؟".
و يرد الدكتور مارغوليس قائلا مع تنهيدة : " حقا كم سيطول الوقت بنا ؟".
إذا كنت في التاسعة و الستين من العمر ، و لديك قلب واهن ، لا تستطيع إرجاء الأمور إلى الأبد. لقد فرض عليه طول اليوم القصير أشياء لا تعد و لا تحصى. كان يتلقى هنا في وارسو من شخصيات اعتبارية اتصالات ، و مصدرها إنكلترا و أمريكا ، و حتى ألمانيا حيث استلم مقاليد الأمور ذلك المعتوه هتلر. و لأن الدكتور مارغوليس ينشر دراسات نقدية ، من حين لآخر ، في المجلات كان المؤلفون يرسلون له كتبهم ليناقشها. و في إحدى المراحل اشترك بعدد من المجلات الفلسفية ، و مع أنه منذ فترة لم يجدد اشتراكه ، كانت تصله الأعداد إلى عنوانه مع إلحاح في سداد قيمتها. معظم الباحثين من جيله لقوا منيتهم. و هو بالذات ، لحقبة من الزمن ، كان أشبه بالمنسي. و لكن الجيل الجديد اكتشفه كرّة أخرى ، و هو الآن تنهمر عليه رسائل الثناء و التقدير مع كافة الطلبات. و بعد أن عزم على غض النظر عن أفضل مؤلفاته المطبوعة ( مجهود استغرق خمسة و عشرين عاما من العمل الدؤوب ) ، اتصل به ناشر من سويسرا. و اقترح عليه مبلغ خمسمائة فرنك كمقدم أتعاب. الناشر الآن بانتظار المخطوط. و لكن تبين للدكتور مارغوليس أن هناك في عمله قدرا لا يستهان به من الأخطاء ، و التخمينات غير الدقيقة ، و حتى التناقضات. و هو على غير يقين أن فلسفته ، التي تؤيد العودة إلى الميتافيزيقا ، ذات نفع. في التاسعة و الستين لم تكن لديه الرغبة برؤية اسمه على مطبوعات جديدة. لو أنه غير قادر على إبتكار منهج منضبط و منسجم ، من الأجدى له أن يلتزم الصمت.
جلس الدكتور مارغوليس : منكبان عريضان ، رأس يميل إلى الأمام ، و شعر أشيب يلف رأسه مثل الرغوة ، و أطراف لحية قصيرة ممشطة إلى أعلى و باتجاه شاربه الرمادي ، الذي يحترق دوما بسيجار لم يتبق منه غير عقب صغير. ثم وجنتان بدينتان. و بين حاجبين كثيفين ، و جيوب جلدية منتفخة : العينان نفسهما ، سوداوان و قاتمتان ، و على الرغم من الاهتمام الذي تعكسانه ، و النظرات الثاقبة ، تلمح فطرته الطيبة. إنهما عينان تغطيهما نتوءات مدببة سمراء ، مع طبقة براقة بدأت بالتشكل ، و لابد عاجلا أوآجلا من أن يخضع الدكتور لعمل جراحي. أضف لذلك خصلة من الشعر برزت من منخريه و من أذنيه . كانت ماتيلدا في كل صباح تذكره بارتداء معطف و خف منزلي ، و لكن بمجرد نهوضه من الفراش ، يعمد إلى ارتداء بذة سوداء ، و خف رقيق ، و قميص بياقة جامدة ، و ربطة عنق قاتمة. لم يكن ينصاع لزوجته أو أطبائه. كان يصب الدواء في المغسلة ، و يلقي بالحبوب في النفايات ، و لا يتوقف عن التدخين ، و يلتهم كل ما أمكن من الحلويات و الأطعمة الدسمة. و الآن ها هو في مقعده يقرأ و يتمعن. كان يعبث بلحيته ، و يشهق بأنفاسه ، و يصر بأسنانه.
ثم يقول : " هراء. ثرثرة فارغة. هذا غير معقول ".
ظهرت ماتيلدا على الباب ، ناعمة و بدينة كالبرميل ، بكيمونو حريري و خف مفتوح سمح لأنامل قدميها المهروستين بالبروز. و حينما وقع بصر الدكتور مارغوليس عليها ، شعر بالصدمة. هل هذه هي المرأة التي وقع في حبها ، و أخذها من بين ذراعي رجل آخر قبل اثنتين و ثلاثين سنة. ؟. لقد تضاءل حجمها و ترهلت ببدنها ، و أصبحت لها معدة مثل الرجال. و بما أنها عمليا من غير رقبة ، كان رأسها المضلع و الكبير يستقر فوق كتفيها ، مع أنف أفطس و شفتين مكتنزتين و فكين يذكران بكلب من نوع بولدوغ. و كانت فروة رأسها واضحة من تحت شعرها. و أسوأ ما في الموضوع اللحية التي بدأت بالظهور ، كانت تحاول أن تحلقها ، و تشذبها ، أن تحرقها ، و لكنها لم تتوقف عن النمو. أما بشرة وجهها فقد كانت تغطيها جذور لنتوءات متماسكة لا تستطيع أن تحدد لها لونا. و كان الروج يتقشر من ثنيات وجهها ، و كأنه دهان زيتي. و كانت لعينيها نظرات جريئة و ذكورية. تذكر الدكتور مارغوليس حكمة لشوبنهاور تقول : للمرأة مظهر و عقلية طفل صغير. لو أنها بلغت بعقلها سن النضج ، فإن وجهها سوف تكون له ملامح الرجال.
سألها الدكتور مارغوليس : " ماذا تريدين مني ؟".
" افتح نافذة. الرائحة هنا كريهة ".
" حسنا . دعي الرائحة الكريهة حيث هي ".
" ماذا عن المخطوط ؟. إنهم بانتظاره في بيرن ".
" فلينتظروا ".
" كم من المفروض أن يطول انتظارهم؟. مثل هذه الفرصة لا تأتي في العمر غير مرة واحدة ".
ألقى الدكتور مارغوليس قلمه ، و استدار بنصف زاوية نحو ماتيلدا و نفخ في الهواء سحابة من الدخان. أخذ نفسا آخر ثم بصق قليلا من التبغ الذي يتجمع.
و قال : " سوف أعيد لهم مبلغ الخمسمائة فرنك ، يا ما تيلدا".
تقهقرت ماتيلدا و هي تقول : " تعيد الأموال ؟. هل أنت مجنون".
" لا فائدة. لن أنشر شيئا لا أقر به. ليس من المهم أن يمزقني الآخرون إربا إربا . و لكن يجب أن أقتنع بميزات عملي".
" كل تلك السنوات و أنت تصر إنه عمل ممتاز".
" لم أذكر ذلك. أملت أنه ذو نفع و لكن في الوطن يقولون : الأمل و الإنجاز عالمان منفصلان.".
ثم مد الدكتور مارغوليس يده ليأخذ سيجارا آخر. و هنا صاحت ماتيلدا : " لن أعيد فرنكا واحدا ".
" كوني متعقلة. هل ترغبين أن أتحول في هذا العمر إلى لص ؟".
" أرسل لهم المخطوطة إذا. إنها أفضل ما أنجزت. ما هذه الفكرة الحمقاء التي وقعت تحت تأثيرها. على أية حال ، كيف يمكن أن تكون قاض على نفسك؟".
" من يقوم بهذه المهمة إذا. أنت؟".
" أجل. أنا. الآخرون ينشرون كتابا كل سنة. و أنت تنكب فوق سطورك الغامضة و البائسة كدجاجة فوق بيضاتها. .. أنت تلهو و تفسد كل شيء. .. النقود ليست معي. لقد أنفقتها.. النقود لا معنى لها إذا بقيت تخشخش في جيبك. بدأت أشعر أنك على وشك الخرف".
" ربما أنا كذلك".
" النقود ليست معي الآن".
همهم الدكتور مارغوليس لماتيلدا و لنفسه أو ما شابه قائلا : " حسنا ، حسنا ، لا بأس ".
لعدة أيام كان يتهيأ كي يزف لها هذا النبأ ، و لكن كان يخشى من العواقب. الآن بعد أن قضي أسوأ ما في الأمر بطريقة أو أخرى سوف يعثر على خمسمائة فرنك. و لو أنه فشل في جميع مساعيه سوف يقترض من المصرف. سيوافق موريس ترايبيتشير. على أية حال إن ما يسمى بخلوده ، فهو موضوع من طي الماضي. مسألة بحكم المفقودات. لقد صرف وقته في السنوات الماضية ( سنوات برلين و كذلك سنوات وارسو ) على محاضرات و مقالات و مؤتمرات خاصة بالصهيونية. ثم ، ماذا لو أن عمله نشر و قرظه عدد من الأساتذة ؟. في الوقت الراهن ليس للفلسفة من أهمية ، إنها تاريخ الوهم البشري. لقد وصل بها هيوم حتى الأوج ثم دفنها. و حاول " كانت " أن يبعث فيها أنفاس الحياة ، و لكنه فشل. و أولئك الذين أعقبوا الألمان لم يكتبوا غير هوامش. بأنامله التي صبغها التبغ شرع الدكتور مارغوليس بالبحث عن أعواد كبريت. كانت لديه رغبة عارمة في التدخين. ثم مجددا استدار نحو الباب.
" ما زلت هنا ، أليس كذلك ؟".
" أردت أن أخبرك عن نيتي في إرسال المخطوطة غدا ، سواء راق لك الموضوع أم لا ".
" أنت من سيقرر إذا ، و لكن كلا. سوف ألقي بها اليوم في النفايات ".
" لن تجرؤ. ماذا يبقى لنا من ضمانات في آخر عمرنا ؟. هل نتسول ؟".
قرض الدكتور مارغوليس بأسنانه.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |