بيان الحداثة : بين المغامرة و النكسة

كتبهاصالح الرزوق ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 17:26 م

بيان الحداثة : بين المغامرة و النكسة

بقلم : صالح الرزوق

 

تأخرت الحداثة ( لدى العرب ) حتى نهايات العقد الخامس من القرن المنصرم. و كان بيانها مغامرا و فروسيا ، و يضغط لمصلحة وجدان فردي ، وجدان معزول يبحث عن حل له من قهر الاندماج بجماعة ، أو تعنت الارتباط بقوانين الانتاج.

لقد توجب على الحداثة  ( في سلوكها و أدواتها ) أن تشن حربا و على جبهتين.

-          ضد أصول سلفية ليس لديها من قيمة سوى المحاكاة للماضي التليد. حتى وصل الأمر إلى الدعوة لهجرة جديدة على نمط التغريبة النبوية الشريفة ، و فتح باب الجهاد في سبيل دولة راشدية معاصرة.

-          و ضد أصول محافظة تعتمد في مرجعياتها على العلاقات العائلية.

و لكن هذا النفي لبنية العقل الأصولي لم يكن في الميزان. فقد خرجت الحداثة من أغمادها كردة فعل ضد الماضي و المستقبل ، بمعنى أنها كانت تناوئ بكل ثقلها المشروع المادي و ظاهريات التاريخ. لا شك إن الحداثة تورطت ( أيضا ) في أضغان الرجل الميت ، و هذا وضعها على خط النار في مواجهة أدواتها و بنيتها. لقد حملت أعباء الصراع مع الواقع ( و الإشارة إلى الخطاب و المجتمع أو بنية تخلف النهضة ) و مع نصف العالم ( الإيديولوجي – و الذي كان يبيع الأفكار و يسوقها بنفس مهارته في بيع أدوات ليس لها مكان في علاقات الانتاج ).

إن الحداثة ( و بيانها الأول الصادر بعد الحرب العالمية الثانية ) أشبه بمرثية للوجدان ، و في نفس الوقت أشبه بجنازة لمنظومتها.

لقد كانت النكسة على الأبواب. و في أعقابها تحررت الحداثة من نظافتها ، و تحولت إلى أداة للنقد الذاتي، و إلى أسلوب للمراجعة. و لكن أيضا إلى سلسلة غامضة من الرموز و الاستعارات. و بعبارة أخرى : فقدت الفرصة لتحقيق الاستقلال في الخطاب. إن ارتباطها بدواليب الإمبريالية لم يساعدها على تبرير آليات الوجود و العمل. و كذلك وضعها في موقف حرج بين النظرية و التنفيذ.

لقد كانت تدعو إلى تحرير الأفراد ، و إلى نفي الأغلال المفروضة ، و لكنها مهدت الطريق لحاكمية الاستبداد الديمقراطي و المحاكاة. و هكذا انتقلت من مجال الصورة أو الجوهر إلى الظل.

إن الحداثة التي صنعت ربيعا باردا ، قصير العمر ، و توجت حقبتها بنكسة مريرة ، تعتبر عمليا ردة ( فوق أرض الواقع ) . و نكوصا باتجاه سلوكات رومنسية و مريضة ، و نحو كرنفال عشوائي من غير ضوابط أو قانون. لقد انخرط وجدانها في معمعة لإنكار الذات، بمعناها الذاتي ( إن صح القول ) ، و لمصلحة ضمير أسود مهزوم ،  متورط في لعبة : الممكن و الفعلي ، أو الحلم و الواقع. و ربما في جدل : الحاضر و الماضي.

بالمقارنة كان مشروع التنوير أكثر انسجاما و استقرارا ، و لعله أول بيان لحداثة حقيقية و غير مقنّعة. لقد وجد الجرأة ليعترف بخضوع المتناهي لسلطة المطلق اللامتناهي و لميتافيزيقا يفرضها ميكانيزم للنقل ، أو لتأبيد النص حتى يحوز على مرتبة في " اليقين " و الإلهيات . و قل الشيء ذاته عن التشكيك بالطغيان و استبداد الحاكمية و ضرورة الاشتقاق و القياس حتى يحوز الواقع على مرتبة في " الوجدان " أو التطابق .

كان شعار التنوير ( في جميع وجوهه ) يستند على العقل انطلاقا من التجربة و الواقع ( إنه وضعي و تفسيري ) . و لكن الحداثة ربطت مصيرها بالمضمون النفسي للظواهر ، و بنزوات تفتقر إلى الاستقرار ( إنها عدمية و تدميرية. و تعبر عن بدايات المخاض بصراع الرجل الصغير ).

إن النهاية المعقدة لمعركة التنوير على الساحة الدولية ، و أسطورة الحرب الشاملة التي احترقت بها ، فتحت الأبواب للاستعمار القديم ، و قادت المنطقة لمصالحة غير متكافئة مع أفكار تعاني أصلا من الوهم و التناقض ، و من الانشقاق بين الشكل و المضمون. و لكن النهاية الصاخبة للحداثة نقلت المعركة إلى حديقة البيت ، و أجبرتنا على التعايش مع عسف الاستعمار الجديد ، و مع هزيمة نحن مسؤولون عنها و ليس العالم..

و اتفاق هاتين العلامتين ( في الصيروة و على امتداد نصف قرن من المخازي و الآلام ) على مبدأ الانتقال من فلسفة المادة إلى فلسفة النفس ( بمفردات غارودي )  لم يكن مضمونه واحدا. فالفرق بين استخدام العقل و توظيف الوجدان ، مثل الفرق بين العمل ضمن جماعة للتأثير في الدوافع العامة ، و اللامنتمي الذي يعكس ظاهرة الوعي بالنفس و الشعور على حساب التواصل.

 

صالح الرزوق - 2007

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر