الحركات الجماهيرية : الأفكار و الواقع

كتبهاصالح الرزوق ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 17:23 م

الحركات الجماهيرية : الأفكار و الواقع

بقلم : صالح الرزوق

 

لا بد من التمييز في الفكر السياسي المعاصر و خطابه بين مجموعتين من التناقضات ، و الإشارة إلى مفهومنا عن الديمقراطية الشعبية ، أو القيادة الجماهيرية للدولة.

إن التعبير غير المنظم الذي يدور نشاطه في إطار غامض ، إطار محروم من الإيديولوجيا  أو النظرية ، و هي الأساس في حراك و برامج السلطة يشار إليه ( غالبا ) بمصطلح الشعبوية.

لقد استفادت الإمبريالية ( بالمفردات القديمة ) و المؤسسات التي تتبنى العولمة ( بالتقابل مع العالمية – و هذا تعبير يعود لجابر عصفور ) من هذه الإرادات العامة. فهي تسعى نحو حياة حرة ، و باتجاه هيكل فردي و شخصي،  لتطبيق طموحات و أحلام تدور في بحر ظلامي و مبهم من العواطف.

إن هذه الأساليب ، المحرومة أصلا من أية احتمالات ، تنشط ضد الذات. إنها تدمر عناصرها و مكوناتها و تؤسس لحكومة وهمية الصراع فيها على الاستهلاك ، أو السعادة الصناعية ، أول منعطف لاغتراب الفرد عن وجدان جماعته .

لقد تبدلت طبيعة العلاقات بين الإنسان و العالم ، و أصبحت الرفاهية هي البديل عن الغبطة ، و تركز سلم القيم في الملكية و ليس في الأسلوب ،  أو : في الشكل و ليس في المضمون و لا أعباء انتاجه.

و لا شك أن العالم الثالث تورط في مثل هذه الاتجاهات جزئيا ، و وصل إلى طريق مسدود ، أو بلغة فرويد ( إلى عصاب الواقع ) ، و لم يتبق لديه من حل بغير تفاقم المعضلة. و هذا يفرض على المضامين عقما من ناحية المعاني ، أو تجريدا يختزل الأسماء إلى نفي و النعوت ( و هي مرادف أصلي للغرائز ) إلى صراع بين الحياة و الموت. و لكن ( دائما ) ضمن البنية الواحدة ، و داخل الجوهر الروحي ، أو ما يدعوه ليبنيتز ، بالمونادا ، أصل كل – العالم ، و نتيجة كل – الفرد.

لقد تفاقمت هذه الأخطاء ، و ساهمت في نشر ثقافة وهمية ، أو بالأحرى في الترويج لعلوم تعزز من قهر الروح الحرة و إرادتها ، و تصادر على المستقبل و الحداثة و المعاصرة باسم رومنسيات انتهى أوانها ، رومنسيات في خريف العمر ، تحرض على تفتيت العاطفة الواحدة إلى زمرة من المشاعر ، و تختزل البنية بشكل أفراد. إن عدم التطابق بين الأصول و الصور ، و ربما إلى حد بعيد بين " النثر " الجدلي و خطابه يضع المسألة بين قوسين.

-          سلوك نهاري يمكن اشتقاقه من أساطير يومية ، من لوغارتيمات تنتظر حمولتها من الدلالة و المعاني .

-          ثم نشاط ليلي ضرير محمل برواسب من ثقافة تابعة ، و بطمي و ( أوحال ) الهزائم التي تعيد ضمنا تأهيل ( المفقودات ).

حري بالذكر ، إن هذا الاستبدال في المفاهيم له دور خطير ( خبيث أيضا ) في إعادة تعريف المجتمع و جدله. فهو يحول الشعوب إلى ( ناس ) ، و الطبقة إلى أفراد يضبطهم الوعي النفعي ( العاري و الأجرد ) ، و العامل إلى مرتزق ( أو متكسب ).

إنها شبكة من العلاقات غير المتكافئة ، أو لنقل : أسلوب الغرض منه الاستهلاك و الدافع له الصورة ، و الرجل الميت فيه هو ( الماهية ). أو ( بتعبير هيغل ) هو صدام بين الشكل و الضمون ، و عوز التعبير بذاته إلى الحرية ، و فشل البحث عن علة تخصص الأشكال في التصور المحدد لما كان يشكل المطلق من وجهة نظر الوعي ( ص 125 – 131 ، من : إستاطيقا هيغل ).

لقد ارتكبت أمثال هذه الشرائح ذات البنية الفطرية عدة أخطاء جسيمة ، و تورطت في جناية بحق التاريخ و هيبة الدولة. لقد صبت اهتمامها على مبدأين  ( هما  من علامات التخلف ) : و هذا يرفع الغطاء عن حقيقة نواياها ، عن أصول أحلامها ، و عن المنطق اليائس الذي كانت تكبو على عتباته.

فمن ناحية اعترفت بضرورات الأمر الواقع ، و أخضعت برامجها ( غير المكتوبة ) لنشاط على الهامش. و لذلك يعزى قطار الأمل ( الجامد ) و غير المتحرك. إن رأس مال هذا الأمل – مؤسسة تتألف من قضبان و محطة مخصصة  للانتظار. و عدا ذلك هي تتعامل مع العالم بأدوات محلية غير قابلة للتطبيق ، و مع الحداثة بأدوات سلفية لا يمكن تجديدها ، و مع الهزائم بسخرية تنقض على مخزون الأخلاق و الإيديولوجيا بتهكم انهزامي مرير .. تبريري فارغ و جاحد ، و رهين محبسيه. . عجز في الإنتاج و فائض في الاستهلاك.

إن هذه الباقة من الأوهام و التناقضات لم تكن مؤهلة لحمل أعباء الثورة ، و لكن لتفسير أخلاق انقلابية غايتها تبديل الواقع بين الدال و المدلول- أو تحميل المعنى الفني للتخلف باستعارات و رموز ( معناها قديم ) و ( صورها مبتكرة ).

بهذا المنطق سقطت الشعبوية في أوحال السيادة ، و قلبت مفهوم الحرية إلى رغبة بديمقراطية للأقلية، و إلى نظام مؤسسات تمثيلي.

و في نفس الوقت لم تستوعب معنى الحريات العامة ، أو المضمون الحقيقي لثوابت الصورة ، كاستقلال الإرادة ، و تاريخية الظاهرة الإنتاجية ،  و طبيعة الجوهر في اللوغوس . و هذا فتح المجال أمام أوهام القوة. و من ثمة أمام العقد الوجداني بين الآباء و الأبناء. و ربما بين الاستلاب و الاغتراب.

لقد أصبحت باللاشعور بارة تجاه المستعمر القديم و ورثته، أ صبحت أداته لتقييد المشاعر الوطنية بسلوك كومبرادوري ، و وثيقة االصلة ببرامج عودته لنهب ما تبقى من طاقات بشرية و طبيعية و سيادة.

**

و لكن من المحتم هنا لجم هذا النشاط العليل بالرؤية السليمة و الصحية في الممارسة. أو بما ندعوه باسم ( الديمقراطية و كفاح الشعوب المنظمة ). و توازى ذلك ( بعد الأخذ بعين الاعتبار الظروف القهرية و التسلطية لمفهوم الأقوى بلغة فوكو ) مع دور التعبير العادل عن جدل و تطابق الذات مع الموضوع ، و بمفردات الواقع السياسي : الإمكانيات و البرامج.

إن الطبيعة النابذة في تقابل المفاهيم ، و لا شك ، مصدرها في مراجع الخطاب و أصول البنية،  و من هنا يبدأ الانشقاق على مستوى المجتمع و صوره ، تماما كما هي الحال في الانشقاقات بين الدوال أو ترسيم الحدود  أو حتى في تشكيل الكونتونات. . من تعبير الجباية إلى نظام الضرائب ، و من مفهوم الجيش إلى نظام الميليشيا ، و أخيرا من وجدان الأفراد و انحرافاته إلى نشاط المؤسسات و الأمة ، باعتبار أنها حاملة للرسالة…

فاقتضى التنويه.

 

صالح الرزوق - 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر