المهزلة

كتبهاصالح الرزوق ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 17:18 م

المهزلة

قصة : إسحق بوشفيز سينجر

ترجمة و تقديم : صالح الرزوق

 

 

من أول نظرة تلاحظ الصفة اليهودية في أدب إسحق بوشفيز سينجر.

إن نصوصه شديدة الصلة بالله ، و بالجانب الروحي و الأخلاقي من المعاناة. حتى أنه حينما يكتب بأسلوب واقعي يبدو كأنه صورة في المرآة ، محاكاة لضرورات الأسلوب و لمنطق المرحلة. لقد تكبد سينجر في مشواره الفني ، الذي توجته جائزة نوبل ، أعباء الدفاع عن لغة منقرضة ، و عن عشق لكل ما هو مندثر و مفقود ، مع معاناة تصوفية و باطنية كانت تدفعه إلى الجانب الميتافيزيقي من الاختيار .

و كذلك كان في حياته و أدبه أشبه برسوله ( موسى ) و هو يضرب في الآفاق بعصاه ، و يقود شعبه المقهور إلى الحكمة و المعرفة ، أو إلى خروج هو قبض الريح ( كما ورد في التوراة – إصحاح أول – سفر الجامعة ).

لا شك أن السر في أدب سينجر يعود إلى العلاقة المعكوسة بين الذات و الموضوع ، فهو يبحث ( من غير كد بلاغي ) عن أخلاق مصنفة سلفا في أوراق من الماضي ، و يسعى وراء اسمه أو صورته المدونة في السجل الضائع. إن المعضلة ليست ، إذا ، في عناء هذا البحث ، و لكن في الوقت المهدور..

و هذه هي أسطورة سينجر الجديدة ، البحث ( مثل بروست ) عن أزمنة مفقودة ، هي عند الفرويديين لا شعورنا ، أو طبيعة جوهرنا الذي يحترق و يستحيل إلى رماد..

** المهزلة - قصة إسحق بوشفيز سينجر –

 

كانت جدران المكتب ، الذي يجلس فيه الدكتور بوريس مارغوليس لقراءة مخطوطاته ، مرصوصة بالكتب. و هناك على الأرض و الأريكة أوراق الصحف و المجلات  و المظاريف المهملة. أضف لذلك ، توجد سلتا نفايات اختنقتا بأوراق لم يسمح  الدكتور للآخرين التخلص منها قبل إلقاء نظرة أخيرة. لقد أصبحت الكتب غير المقروءة ، و المخطوطات ، التي ألَفها هو أو غيره ، و الرسائل غير المفتوحة ، لعنة على هذا البيت. إنها تشجع على تراكم الغبار ، و يمكن رؤية الحشرات و هي تزحف عليها.

كذلك انتشرت في المكان رائحة الحبر ، و شمع الأختام ، و دخان السيجار . رائحة نفاذة و شاذة. كان الدكتور مارغوليس يتشاحن يوميا مع زوجته ماتيلدا ، حول تنظيف الغرفة. غير أن نفاضات السجائر لم تفرغ أبدا من بقايا السيجار و فتات الطعام. لقد وضعته ماتيلدا تحت رحمة حمية خاصة و كان الجوع باستمرار يؤلم الدكتور. كان يواظب على قضم بسكويت بالبيض و الحلاوة  و الشوكولا ، و كان يفضل أيضا القليل من البراندي. و لكن تلقى عدة تنبيهات بخصوص الرماد ، و مع  ذلك ، أنت ترى أكواما صغيرة منه على أطراف النافذة و أذرع الكنبات. لقد طلب الدكتور إغلاق النوافذ ، فالرياح قد تخطف أوراقه بعيدا. لا شيء يمكن التخلص منه قبل موافقته .  و لكن  الدكتور مارغوليس لم يكن يسمح بإتلاف ورقة واحدة. إنه يدقق بالأوراق القديمة من تحت حاجبيه الكثيفين و يتوسل قائلا : " كلا ، الأفضل أن أحتفظ بهذه في متناول اليد لفترة أخرى من الوقت ".

و ما تيلدا تسأل " و كم يطول هذا الوقت ؟. حتى عودة المسيح المنتظر ؟".

و يرد الدكتور مارغوليس قائلا مع تنهيدة : " حقا  كم سيطول الوقت بنا  ؟".

 إذا كنت في التاسعة و الستين من العمر ، و لديك قلب واهن ، لا تستطيع إرجاء الأمور إلى الأبد. لقد فرض عليه طول اليوم القصير أشياء لا تعد و لا تحصى. كان  يتلقى هنا في وارسو من شخصيات اعتبارية اتصالات ، و مصدرها إنكلترا و أمريكا ، و حتى ألمانيا حيث استلم مقاليد الأمور ذلك المعتوه هتلر. و لأن الدكتور مارغوليس ينشر دراسات نقدية  ، من حين لآخر ، في المجلات  كان المؤلفون يرسلون له كتبهم ليناقشها. و في إحدى المراحل اشترك بعدد من المجلات الفلسفية ، و مع أنه منذ فترة لم يجدد اشتراكه ، كانت تصله الأعداد إلى عنوانه مع إلحاح في سداد قيمتها. معظم الباحثين من جيله لقوا منيتهم. و هو بالذات ، لحقبة من الزمن ، كان أشبه بالمنسي. و لكن الجيل الجديد اكتشفه كرّة أخرى ، و هو الآن تنهمر عليه رسائل الثناء و التقدير مع كافة الطلبات. و بعد أن عزم على غض النظر عن أفضل مؤلفاته المطبوعة ( مجهود استغرق خمسة و عشرين عاما من العمل الدؤوب ) ، اتصل به ناشر من سويسرا. و اقترح عليه مبلغ خمسمائة فرنك  كمقدم أتعاب.  الناشر الآن بانتظار المخطوط. و لكن تبين للدكتور مارغوليس أن هناك في عمله قدرا لا يستهان به من الأخطاء ، و التخمينات غير الدقيقة ، و حتى التناقضات. و هو على غير يقين  أن فلسفته ، التي تؤيد العودة إلى الميتافيزيقا ، ذات نفع. في التاسعة و الستين لم تكن لديه الرغبة برؤية اسمه على مطبوعات جديدة. لو أنه غير قادر على إبتكار منهج منضبط و منسجم ، من الأجدى له أن يلتزم الصمت.

جلس الدكتور مارغوليس : منكبان عريضان ، رأس يميل إلى الأمام ، و شعر أشيب يلف رأسه مثل الرغوة ، و أطراف لحية قصيرة ممشطة إلى أعلى و باتجاه شاربه الرمادي ، الذي يحترق دوما بسيجار لم يتبق منه غير عقب صغير. ثم وجنتان بدينتان. و بين حاجبين كثيفين ، و جيوب جلدية منتفخة : العينان نفسهما ، سوداوان و قاتمتان ، و على الرغم من الاهتمام الذي تعكسانه ، و النظرات الثاقبة ، تلمح فطرته الطيبة. إنهما عينان تغطيهما نتوءات مدببة سمراء ، مع طبقة براقة بدأت بالتشكل ، و لابد عاجلا أوآجلا من أن يخضع الدكتور لعمل جراحي. أضف لذلك خصلة من الشعر برزت من منخريه و من أذنيه . كانت ماتيلدا في كل صباح تذكره بارتداء معطف و خف منزلي ، و لكن بمجرد نهوضه من الفراش ، يعمد إلى ارتداء بذة سوداء ، و خف رقيق ، و قميص بياقة جامدة ، و ربطة عنق قاتمة. لم يكن ينصاع لزوجته أو أطبائه. كان يصب الدواء في المغسلة ، و يلقي بالحبوب في النفايات ، و لا يتوقف عن التدخين ، و يلتهم كل ما أمكن من الحلويات و الأطعمة الدسمة. و الآن ها هو في مقعده يقرأ و يتمعن. كان يعبث بلحيته ، و يشهق بأنفاسه ، و يصر بأسنانه.

ثم يقول : " هراء. ثرثرة فارغة. هذا غير معقول ".

ظهرت ماتيلدا على الباب ، ناعمة و بدينة كالبرميل ، بكيمونو حريري و خف مفتوح سمح لأنامل قدميها المهروستين بالبروز. و حينما وقع بصر الدكتور مارغوليس عليها ، شعر بالصدمة. هل هذه هي المرأة التي وقع في حبها ، و أخذها من بين ذراعي رجل آخر قبل اثنتين و ثلاثين سنة. ؟. لقد تضاءل حجمها و ترهلت ببدنها ، و أصبحت لها معدة مثل الرجال. و بما أنها عمليا من غير رقبة ، كان رأسها المضلع و الكبير يستقر فوق كتفيها ، مع أنف أفطس و شفتين مكتنزتين و فكين يذكران بكلب  من نوع بولدوغ. و كانت فروة رأسها واضحة من تحت شعرها. و أسوأ ما في الموضوع اللحية التي بدأت بالظهور ، كانت تحاول أن تحلقها ، و تشذبها ، أن تحرقها ، و لكنها لم تتوقف عن النمو.  أما بشرة وجهها فقد كانت تغطيها جذور لنتوءات متماسكة لا تستطيع أن تحدد لها لونا. و كان الروج يتقشر من ثنيات وجهها ، و كأنه دهان زيتي. و كانت لعينيها نظرات جريئة و ذكورية.  تذكر الدكتور مارغوليس حكمة لشوبنهاور تقول : للمرأة مظهر و عقلية طفل صغير. لو أنها بلغت بعقلها سن النضج ، فإن وجهها سوف تكون له ملامح الرجال.

سألها الدكتور مارغوليس : " ماذا تريدين مني ؟".

" افتح نافذة. الرائحة هنا كريهة ".

" حسنا . دعي الرائحة الكريهة حيث هي ".

" ماذا عن المخطوط ؟. إنهم بانتظاره في بيرن ".

" فلينتظروا ".

" كم من المفروض أن يطول انتظارهم؟. مثل هذه الفرصة لا تأتي في العمر غير مرة واحدة ".

ألقى الدكتور مارغوليس قلمه ، و استدار بنصف زاوية نحو ماتيلدا و نفخ في الهواء سحابة من الدخان. أخذ نفسا آخر ثم بصق قليلا من التبغ الذي يتجمع.

و قال : " سوف أعيد لهم مبلغ الخمسمائة فرنك ، يا ما تيلدا".

تقهقرت ماتيلدا  و هي تقول : " تعيد الأموال ؟. هل أنت مجنون".

" لا فائدة. لن أنشر شيئا لا أقر به. ليس من المهم أن يمزقني الآخرون إربا إربا . و لكن يجب أن أقتنع بميزات عملي".

" كل تلك السنوات و أنت تصر إنه عمل ممتاز".

" لم أذكر ذلك. أملت أنه ذو نفع و لكن في الوطن يقولون : الأمل و الإنجاز عالمان منفصلان.".

ثم مد الدكتور مارغوليس يده ليأخذ سيجارا آخر. و هنا صاحت ماتيلدا : " لن أعيد فرنكا واحدا ".

" كوني متعقلة. هل ترغبين أن أتحول في هذا العمر إلى  لص ؟".

" أرسل لهم المخطوطة إذا. إنها أفضل ما أنجزت. ما هذه الفكرة الحمقاء التي وقعت تحت تأثيرها. على أية حال ، كيف يمكن أن تكون قاض على نفسك؟".

" من يقوم بهذه المهمة إذا. أنت؟".

" أجل. أنا. الآخرون ينشرون كتابا كل سنة. و أنت تنكب فوق سطورك الغامضة و البائسة كدجاجة فوق بيضاتها. .. أنت تلهو و تفسد كل شيء. .. النقود ليست معي. لقد أنفقتها.. النقود لا معنى لها إذا بقيت تخشخش في جيبك. بدأت أشعر أنك على وشك الخرف".

" ربما أنا كذلك".

" النقود ليست معي الآن".

همهم الدكتور مارغوليس لماتيلدا و لنفسه أو ما شابه  قائلا : " حسنا ، حسنا ، لا بأس ".

لعدة أيام كان يتهيأ كي يزف لها هذا النبأ ، و لكن كان يخشى من العواقب. الآن بعد أن قضي أسوأ ما في الأمر بطريقة أو أخرى سوف يعثر على خمسمائة فرنك. و لو أنه فشل في جميع مساعيه سوف يقترض من المصرف. سيوافق موريس ترايبيتشير. على أية حال إن ما يسمى بخلوده ، فهو موضوع من طي الماضي. مسألة بحكم المفقودات. لقد صرف وقته في السنوات الماضية ( سنوات برلين و كذلك سنوات وارسو ) على محاضرات و مقالات و مؤتمرات خاصة بالصهيونية. ثم ، ماذا لو أن عمله نشر و قرظه عدد من الأساتذة ؟. في الوقت الراهن ليس للفلسفة من أهمية ، إنها تاريخ الوهم البشري. لقد وصل بها هيوم حتى الأوج ثم دفنها. و حاول " كانت " أن يبعث فيها أنفاس الحياة ، و لكنه فشل. و أولئك الذين أعقبوا الألمان لم يكتبوا غير هوامش. بأنامله التي صبغها التبغ شرع الدكتور مارغوليس بالبحث عن أعواد كبريت. كانت لديه رغبة عارمة  في التدخين. ثم مجددا استدار نحو الباب.

" ما زلت هنا ، أليس كذلك ؟".

" أردت أن أخبرك عن نيتي في إرسال المخطوطة غدا ، سواء راق لك الموضوع أم لا ".

" أنت من سيقرر إذا ، و لكن كلا. سوف ألقي بها اليوم في النفايات ".

" لن تجرؤ. ماذا يبقى لنا من ضمانات في آخر عمرنا ؟. هل نتسول ؟".

قرض الدكتور مارغوليس بأسنانه.

" آخر فترات عمرنا هي الآن. هل تعتقدين أننا سنعيش مثل جد  نوح ؟".

" لا أظن أنني سأموت في التو و الساعة ".

" لا بأس . حسنا. أغلقي الباب و دعيني بسلام. و لا تتدخلي في شؤوني ".

سمع خبطة الباب ، و قبض على الكبريت ، ثم أشعل سيجارا. استنشق الدخان المرير بعمق و قرأ ثلاث جمل أخرى ، غير أنه لم يعجب بها. لم يتمكن من التعرف على العبارة الأخيرة ، كأنها ليست بقلمه. إن لم تكن بخط يده ، سوف يفترض أنها من تأليف غيره. كانت تبدو سخيفة. التراكيب مشوشة. و المفردات غير مترابطة مع حجة الموضوع. جلس الدكتور مارغوليس بفم مفتوح.  هل إن الروح التي تتناسخ به هي المسؤولة عن ذلك؟. بدأ يهز رأسه كأن شيئا ميتافيزيقيا  تورط في الموضوع. و عادت إلى ذاكرته جملة من سفر الجامعة تقول : " و علاوة على ذلك ، يا بني ، كن حذرا : لتأليف كتب كثيرة ليس هناك نهاية " ( * ). من الواضح أنه لا تزال توجد كتابات أخرى لا تحصى على الطريق . و تذكر قارورة الكونياك الموجودة في حقيبته.

" أعتقد سأشرب القليل. في مثل هذه الحالة لن تلحق بي الضرر ".

مرت الأيام دون أن يتمكن الدكتور مارغوليس من اتخاذ قرار. كلما عكف على المخطوط ، كلما زادت درجة اضطرابه. هنالك و لا شك بعض الأفكار القيّمة ، و لكن الهيكل العام ضحل ، مجرد كتلة عامة. حاول الاختصار ، و لكن أعوزه المنطق فيما تبقى من فقرات. على الكتاب أن يخضع لإعادة كتابة شاملة. و لكن قواه تخذله. مؤخرا بدأت يداه ترتعشان. و قلمه يستسلم. كان يصنع أحرفا و كلمات فقط. حتى أنه وقع في أخطاء بالإملاء ، و على ما يبدو أنه ينسى اللغة الألمانية ، و ينفتح على تعابير شائعة بالييديش.

 و علاوة على ذلك بدأ يدخل في طور الرقاد ، الغيبوبة المؤقتة ، كلما جلس ليعمل. كان في الليل يتمدد على السرير لساعات طوال و لا ينام ، عقله يواظب على حالة التأهب. أحيانا يلقي خطابات خيالية ، و يفكر بموضوعات غريبة. و يجادل بعض المشاهير أمثال فاندت ، كيونو فيشير ، و الأستاذ باوخ. و لكن في النهار يلحق به الإرهاق فورا ، ينهار كتفاه و رأسه ، ثم يحلم أنه في سويسرا ، بلا نقود ، جائع ، متشرد ، و على وشك الطرد من قبل السلطات. قال الدكتور مارغوليس في قرارة نفسه : " ربما كانت ماتيلدا على صواب. و أنا أقترب من أرذل العمر. الدماغ في الواقع ماكينة مقدر لها أن تنعطب. ربما كان الماديون محقين أيضا ". هذه الأفكار الارتدادية كانت تلهو في رأسه : في عالم حيث كل الأشياء في حالة فوضى ، قد يتبين أن فيورباخ هو المسيح المنتظر نفسه.

في تلك الأمسية ذهب الدكتور مارغوليس إلى اجتماع. كان موضوعه الموسوعة العبرية التي بدأت منذ سنوات في برلين. و بما أن هتلر هو المستشار الآن ، انتقلت هيئة التحرير إلى وارسو. و في الحقيقة تحولت المسألة إلى عبث لا فائدة منه. لم يكن في متناول اليد دعم مادي و لا مساهون. بالإضافة ، يعوز العبرية حتى الآن المصلحات التقنية المناسبة لموسوعة حديثة. و لكن الهيئة الاستشارية لم تستسلم. لقد وقع بين أيديهم  متطوع يدفع النقود. وتوفر عدد من اللاجئين أيدوا التجربة. حسنا ، المسألة كانت برمتها اتكالية ، أقر الدكتور مارغوليس بذلك لنفسه سرا.. و لكن ، و لكن لا ضرر من إنفاق النذر اليسير من الوقت مع جماعات من هذا النوع. 

كان من المقرر عقد الاجتماع في منزل المتبرع ، و ذهب الدكتور مارغوليس إلى هناك بالتاكسي. و تسلق السلالم بواسطة مصعد مصفح. و ما أن أصبح في الداخل حتى وجد نفسه يرأس الاجتماع. كان المضيف ، و هو موريس ترايبيتشير ، رجلا ضئيلا برأس أصلع ، و وجنتين ورديتين ، و بطن مدببة ، و قد قدمه لزوجته العملاقة ثم إلى بناته ، الشقروات و الناصعات البياض ، اللواتي ارتدين بذات لها رقبة مفتوحة.

تحدث الدكتور مارغوليس مع الزوجة و البنات بلغة بولندية مكسورة. و حصل على بعض المربى و الشاي و الحلويات و المشاريب ، و هكذا إن الدكتور مارغوليس تناول عشاءه ، لقد ضاعفت هذه الأجواء الرقيقة من شهيته. و دخن أيضا سيجار هافانا كضيافة : باختصار لقد  أكل ، و شرب ، و في نفس الوقت لم يقصر في توضيح المصاعب المتوقعة أمام نشر الموسوعة.

قال : "  لو تناسينا المشاكل الأخرى ، هناك هتلر . إنه لا ينوي التوقف في حدود بيرختيسغادين. و في أحد الأيام سوف يصل إلى هنا.".

قال ترايبيتشير مقاطعا : " من الممكن أن تبتلع كلماتك يا دكتور مارغوليس. كان شبينغلير محقا. أوروبا تقدم على الانتحار ".

" لقد تخطينا محنة هامان ، و سوف نتخطى هتلر كذلك ".

" قد يكون هذا صحيحا. بنى اليهود كل شيء على أساس الإيمان بالبقاء. و لكن ما هو أصل هذه العقيدة ؟. آه ، دعنا نواصل الطريق و ننشر الموسوعة. إنها لن تقتل طفلا في أية حال ".

بعض الحاضرين كان يتكلم بالييديش ، و بعضهم بلهجة تشبه الألمانية. و أحد الرجال الذي حمل لحية بيضاء و قصيرة و عوينات لها إطار مذهب كان يتكلم العبرية بلهجة السيفارديم. و تواجد أيضا أستاذ لاجئ من برلين له عدسة على عينه اليسرى ، و كان يشبه مدمنا على العقاقير. كان يبدو أكثر قساوة من أي ضابط بروسي مر على الدكتور مارغوليس في حياته. كان ربما ينتمي إلى أوست - غودين. أنصت الدتور مارغوليس قرابة نصف ساعة.

كل فرد من هؤلاء يتمتع بطموح  و بنزعات غريبة. لقد كانوا جميعا يهرولون وراء الزولوتي ( ** ) و ذلك القدر التافه من المظاهر الذي توفره الموسوعة. و قد اقترح الممول أن يسمى المشروع باسمه : موسوعة ترايبيتشير. و مع ذلك لم يقدم غير جزء يسير من النقود. خطر للدكتور مارغوليس : هذه ميكروبات بشرية ، هذه ميكروبات. عالم مادي . أنفاس مشبعة بالكحول. هذا المشروع بحاجة لمخاض طويل و لكنه يولد ميتا ، كما ورد في كتاب العبادات.

المشكلة ،  آه ، في دفع الإيجار . و إذا نفدت النقود ، سوف تصبح الحياة مريرة و لا تطاق. إن القوى التي خلقت الإنسان لم تستند على معاناته..

تأخر الوقت ، و بدأ موريس ترايبيتشير يتثاءب.

و كالعادة ، تم تحدد موعد لاجتماع آخر. غادر الضيوف ، مع قبلات للمضيفة التي حملت زنودها الأساور الثقيلة ، و ازدحم المصعد بهم ، حتى أن الدكتور مارغوليس اضطر إلى الضغط على بطنه ، و حينما بلغوا الباحة ، كانت البوابة مغلقة. حضر الحاجب ، و نبح كلب الحراسة ، و انشغل الدكتور مارغوليس بالبحث عن سيارة. و لم يجد واحدة. ثم أصاب القنوط الأستاذ البرليني. فقال : " آخ ، وارسو مجرد مدينة آسيوية صغيرة ". و في النهاية توقفت له سيارة عامة ، و انطلقت به بعيدا.

انتظر الدكتور مارغوليس لفترة طويلة ثم أصابه اليأس ، و ذهب للبحث عن حافلة. شعر بالإرهاق ، و بعجزه عن الرؤية السليمة في هذه الشوارع ذات الإضاءة الشحيحة ، كان يسير و هو ينقر الأرض بعكازه كأنه ضرير. في البداية كان الأمر يشبه الهبوط على سفح هضبة ، ثم تكون لديه انطباع أن الرصيف غير مستو. حاول أن يبحث عن عابر سبيل ليستفسر منه عن الاتجاهات. لم يرد أحد. سوف تنتقل العدوى لي من ماتيلدا. بهذا المنحى تطورت أفكاره. إنها لم تتوقف يوما عن الوعظ بضرورة الرقاد باكرا. ثم بدأ يسترسل في تأملاته حولها. في الأيام السابقة لم تكن تتدخل في أموره ، كان لديها بيتها و ثيابها و منتجعها حيث أدمنت على المياه المعدنية. و حينما عزم على مناقشة الفلسفة معها ، رفضت الإصغاء ، و لم تتجشم عناء قراءة التعليقات على كتاباته. لقد تجنبت كل ما له علاقة بالأفكار و الثقافة.

الآن و قد فقد طموحه ، أصبحت هي التي تطمح بالنيابة عنه. قرأت كتاباته الأولى ، و في أي مكان ترافقه إليه تلبية لدعوة كانت تناديه بالأستاذ و تثني عليه ، حتى أنها تكبدت أعباء تفسير فلسفته. و كانت تكرر طرائفه ، و تنال من أعدائه ، و تتقمص أسلوبه. كان هو يشعر بالخجل من جهلها و من المبالغة في الإطراء. و هذا لم يمنعها من المشاحنة معه في البيت و باستخدام الكلمات البذيئة. و كما يقول المثل البولندي : في الكهولة لا توجد متعة. كلا ، الفترات الأخيرة من العمر عبارة عن سخرية و انتقام من شباب المرء.

في النهاية عثر الدكتور مارغوليس على حافلة مناسبة ، و عاد إلى البيت. و انتظر هناك البواب بنفاد صبر ليفتح البوابة. بتثاقل تسلق السلالم المعتمة ثم توقف ليلتقط أنفاسه. كان قلبه يدق بعنف. و أحيانا كانت بعض الدقات مكتومة.

و شعر بالوهن في ركبتيه كأنه يتسلق جبلا ، و سمع أصوات أنفاسه كما لو أنه يشخر. مسح العرق من حواجبه ، ثم فتح قفل الباب ، و دخل على أطراف أصابعه ، كي لا يوقظ ماتيلدا. تخلص من ثيابه ، في غرفة المعيشة ، و لم يبق غير سرواله الداخلي. عكست المرآة خيال جسمه العاري المغطى بشعر أبيض ، معدته المنفوخة ، ساقيه القصيرتين جدا ، و الأظافر المصفرة في أصابع قدميه. و هنا وقف الدكتور مارغوليس يتأمل. ليس هناك من حيوان يبلغ هذا الحد من القبح مثل الإنسان المتطور…. ذهب إلى غرفة النوم و لاحظ في العتمة الخفيفة أن فراش ماتيلدا فارغ. ذعر لذلك و أشعل النور.

سأل الدكتور مارغوليس نفسه بأعلى صوته : " ما هذا الهراء ؟. لا يمكن أن تلقي بنفسها من النافذة ".

و عاد إلى الصالة و هناك فقط شاهد إضاءة في مكتبه.

ماذا بوسعها أن تفعل في هذا الوقت المتأخر ؟. اقترب من الباب و فتحه. كانت ماتيلدا نائمة على منضدته و هي  ملتفة بردائه المنزلي و خفيه . و كانت المخطوطة أمامها مفتوحة. و نصف سيجار على نفاضة السجائر مع قارورة كونياك و كوب وسط الأوراق المبعثرة. لم يلمح من قبل لحيتها كثيفة و طويلة و  غروتسكية إلى هذا الحد. كأنها كانت تنمو بسرعة خلال ساعات غيبته .

 

كان رأسها تقريبا في حالة صلع. و كانت تشخر بصوت منفّر. و في الرقاد كان حاجباها معقودين. و أنفها الذكوري المغطى بالأوبار له منخران مسدودان بخصل من الشعر. بطريقة غامضة لا تتكهن بها كانت تشبهه . إنها مثل الخيال الذي شاهده للتو في المرآة.

تذكر الدكتور مارغوليس الحكمة التالية :  الرجل و المرأة اللذان يتقاسمان نفس الوسادة لفترة طويلة يتشابه رأساهما.. و لكن ، كلا ، هناك أمور أخرى تعزى لذلك. هذه محاكاة بيولوجية ، مثل تلك المخلوقات التي تحاكي الأشجار و الأدغال ، أو مثل الطير الذي يتشبه منقاره بثمرة الموز. ما الغاية من هذه المحاكاة في عمر متأخر ؟. كيف تفيد النوع ؟. و هكذا شعر في وقت واحد بالعاطفة التي يخالطها استنكار.

من الظاهر أنها أقنعت نفسها بضرورة نشر الكتاب. و هناك على ملامحها المحكمة الإغلاق أنت ترى الإحباط ، ترياق الوهم الذي ينتشر أحيانا على وجه الجثة. هنا بدأ بإيقاظها قائلا : " ماتيلدا ـ ماتيلدا ".

تحركت ، ثم أفاقت و نهضت على قدميها. تبادل الرجل و الزوجة النظرات بصمت و دهشة ، في إطار من الاستغراب الذي يعقب أحيانا أية علاقة حميمة. رغب الدكتور مارغوليس أن يشتمها ، و لكن لم يستطع. هذا ليس خطأها في أية حال. إنها و لا شك المرحلة الأخيرة من تدهور الأنوثة.

عند هذه النقطة من أفكاره قال لها : " تعالي لننام ، تأخر الوقت بنا ، يا صغيرتي ". هزت ماتيلدا رأسها و أشارت إلى المخطوطة ، ثم قالت : " هذا كتاب ممتاز ، إنه مشروع ينم عن العبقرية "

 ( * ) – وردت هذه العبارة في سفر الجامعة / الإصحاح الثاني عشر ، كالتالي : " و بقي فمن هذا يا ابني تحذر ، لعمل كتب كثيرة لا نهاية ". انظر الكتاب المقدس ، مبوعات جمعية لكتاب المقدس في الشرق الأدنى ، بيروت ، دون تاريخ . ص 984 . و الجامعة هنا بمعنى : المجمع الكنسي أو الكهنوتي. 

( ** ) – الزولوتي : وحدة نقدية بولندية.

** العنوان الأصلي :

** Caricature , BY ISAAC BASHEVIS SINGER, Translated by Shulamith Charney and Cecil Hemley ,   Farrar, Straus & Cudahy  , New York , 1961 .p.p. 97 -108 .

 

 

ترجمة : صالح الرزوق - 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر