الحادث
كتبهاصالح الرزوق ، في 18 أكتوبر 2007 الساعة: 07:45 ص
الحادث
قصة : راسبورام كريشناسوامي نارايان
ترجمة : صالح الرزوق
كنت عائدا من معبد الهضبة . لقد احتجزت هناك حتى قرابة الساعة التاسعة. و كنت أقود السيارة على السفح ، ثم انعطفت باتجاه اليسار ، و تابعت لعدة ياردات نحو الأسفل ، و هنا زهق المحرك و أصابه الإحباط ، و اهتزت السيارة كلها و انتفضت ، ثم انتهت إلى التوقف التام. كانت الهضبة تشرق من خلفي ، و بنات آوى تعوي في الظلام. بشرف غادرت العربة ، و درت حولها ، ثم فتحت الغطاء ، و أخذت منها نظرة عميقة. و لكن ما نفع ذلك؟. لم تكن لدي خبرة بمكونات السيارة من الداخل. كانت سيارتي مطيعة ، و أحيانا حينما تمر بمشكلة ، أدفعها حتى أقرب ورشة. و الآن بدأت أدور حولها ، و لعدة مرات ، أحيانا أفتح الغطاء و أحيانا أغلقه ، و أبذل جهدا عقيما بغاية تدوير المحرك. و سريعا أدركت أنه من الحماقة الدوران بهذا الشكل ، مع المحاولة هنا و هناك ، على أمل أن تنطلق بطريقة ما. جلست على الرفراف ، و رمشت بعيني ، ، و تمنيت أن يمر من هذا الطريق سائق ليمد لي يد العون. انقضى الوقت ، دون أية إشارة لمخلوق. هزت الرياح النوافذ الجانبية ، و حشرات لا تراها العين كانت تطن و تحبو في الجوار. ثم شعرت كما لو أنني على كوكب غريب و ما من مخلوق حي سواي.
و في الحال قلت بنفسي : " سأعد حتى العشرة و إن لم تتحرك السيارة سأتركها و أتابع إلى البيت سيرا على الأقدام ".
نظرت إلى الأرض و بدأت بالعد. " واحد ، إثنان ، ثلاثة …". و على ما أعتقد بعد أن وصلت حتى الثمانية أو التسعة عدت إلى الواحد و كررت المحاولة. صعدا و نزولا و من غير تراجع كنت أعد مثل المنادي في المزاد العلني. و في أعقاب نصف دزينة من التعداد استدرت إلى الخلف لأشاهد خيالا بجانبي. جمدتني المباغتة.
" متى حضرت إلى هنا ؟. من أنت ؟".
" أتيت منذ دقيقة يا سيدي ".
" لم أسمع صوت وصولك . من أنت ".
" اسمي أنيل دوس. و أنا سائق يا سيدي ".
" سائق سيارات ؟".
" نعم ".
ظاهريا لم أصدق أن الآلهة أخذت تهديداتي و وعيدي بترك السيارة على محمل الجد ، فأرسلت لي ميكانيكيا و على الفور .
" من أين أنت قادم ؟".
" بالعادة أتواجد في هذه الأنحاء، يا سيدي ".
" قلت إنك سائق ".
" تحطمت السيارة و منذ حينه لا سيارة معي ".
" و لكن ماذا تفعل لتكسب قوتك ؟".
" آه . ما من صعوبة في ذلك ".
خطر لي أنه معتوه ، أو ثمل قليلا ، و لم أهتم بتفحصه بتمعن.
" انظر هنا ، يا إيمي دوس ، لقد تعطلت سيارتي فجأة. و لا أعلم ما هو خطبها. هل بمقدورك أن تساعدني لتنطلق ؟".
فتح غطاء المقدمة ، و تفحص المحرك. وضع رأسه في السيارة ، و حرر المكابح.
سألته" هل ترى أي شيء ؟".
قال : " آه .تماما".
قلت له : " و لكن العتمة هنا شديدة!".
كان الضوء الوحيد الذي بحوزتنا هو لمعان أطراف الغيوم و الذي يعكس أضواء المدينة.
خرج من السيارة ، و ذكر مباشرة تشخيصه للمعضلة. " إنه عدم تلامس. و مشكلة في الضغط …"
" كنت قد فحصتها منذ عدة شهور مضت. هذا غير وارد. كانت السيارة تتحرك بشكل صحيح. و لا يمكن لكل ذلك أن يحصل في هذا المكان ؟ ".
" آه ، بلى . الأسوأ حصل هنا. إنه مكان وعر. يا سيدي ".
" ماذا تقصد بكلمة وعر ؟".
" حسنا أمور لا نفهمها تحصل للسيارات هنا ، ،هذا مكان رديء حقا يا سيدي ".
" هل تقول إنه بمجرد مرور السيارة من هنا تهبط لوالبها. و ضغطها يختنق . و المدخرة تنفد ؟".
" أجل يا سيدي ".
قلت له : " يا للغرابة ".
" هذا أمر مزعج يا سيدي. على سبيل المثال ، في هذا الموقع تحطمت سيارتي ، و هي من نوع أوستون سيدان ، لم يمض على ذلك أكثر من شهر ".
تذكرت الحادث. من عدة شهور سيارة أوستين كانت تهبط من منحدر الهضبة بعد هبوط الظلام ، ثم ارتطمت بصخرة و تحطمت عليها إلى شظايا.
سألته : " هل كنت قائد تلك السيارة ؟".
" أجل يا سيدي ".
" و لكن ألم تمت في الحادث ؟".
قال : " كلا. ". كان الحادث بالنسبة لي عبارة عن نتيجة أخرى لظروف هذا الرجل السكير. و كنت أعتقد أنه ينتظر هنا شخصا آخر.
" هل بمقدورك أن تعيد سيارتي إلى الطريق مجددا ؟".
" نعم يا سيدي ، سأبذل قصارى جهدي ".
" سأمنحك روبيتين لقاء خدماتك".
دفع المقعد الأمامي ، و التقط الأدوات ، و هبط تحت السيارة مقدار دقيقة ، ثم انسحب و دفن رأسه في غطائها. كان مصدر الصوت الوحيد لبعض الوقت هو الأدوات التي يستخدمها ، و أنفاسه الجشاء ، و بالطبع كانت الريح تهز النوافذ الجانبية. … بعد ربع ساعة دار المحرك ، و تحركت السيارة إلى الأمام مقدار عدة ياردات ، ثم سارت باتجاه الخلف.
و هنا قال : " لن تعاني من مشاكل أخرى يا سيدي. و لكن بأسرع ما أمكن ، غيّر حلقات الإسطوانة ".
ثم فتح الباب و غادر السيارة و شرع يقول بصوت خافت : "كنت سائقا لمدة خمس و عشرين سنة ، و يؤلمني أن أرى سيارة في ورطة. و طوال السنوات الخمس و العشرين لم أعمل إلا بخدمة رجلين. انتظرت مع الأول أربع سنوات فقط. و مع الثاني لما يزيد على عشرين عاما. و كانت الأوستين هي السيارة الرابعة التي اشتراها مخدومي في العشرين سنة. كنت معه منذ استبدل عربة الجياد بسيارة أوفيرلاند. أحببت العربات المتحركة ، مهما كان نوعها ، كما لم يمحضها الحب أحد. و لو شاهدت أحدا يلحق بها خدشا واحدا لصفعته على خده مهما كان شأنه. هل تعتقد الآن أنني بإرادتي تهورت بالقيادة و حطمت الأوستين التي لها من العمر شهر واحد؟. ادّعوا أنني كنت ثملا. أقسم بعكس ذلك. أحيانا أشرب القليل ، و لكن لم أثمل في ذلك اليوم. لطفا هل تذهب لمقابلة مخدومي ؟".
أعطاني العنوان. و تابع يقول : " أخبره انني لم أكن ثملا ، و أسباب الحادث تعود لطبيعة المكان الشريرة".
سألته : " و هل هو حادث مروع ؟".
" تعلم ماذا تصنع هذه الأماكن. و لكن حظك أفضل من حظ الأوستين ".
منحته روبيين. و لكنه رفض النقود.
قال " ما نفعها يا سيدي ؟. أطمع بنيتك الطيبة. لو توفرت لديك الهمّة لرؤية مخدومي و إخباره أنني لم أكن ثملا ، سأكون شاكرا لك يا سيدي. ". .
عرضت عليه توصيلة بالسيارة ، و لكنه اعتذر. ضغطت على زر التشغيل ، زمجر المحرك ، ثم أشعلت مصابيح النور. تحركت السيارة بأسلوب جيد . و هكذا شعرت بالإطراء لذلك الميكانيكي ، و قررت أن أقابل مخدومه في الغد.
تقصيت عن مكان صاحب الأوستين المعطوبة. و نقلت له رسالة السائق.
سألني : " هل متأكد أنه هو ؟".
" لا أعلم. كان يبدو لي ثملا باعتدال ، و ربما هو مزيف ، و لكن في النهاية ، ربما هو ذاته. أعطاني عنوانك. و يبدو أنه كان معك لعشرين عاما ، و كان لديك في يوم ما أوفيرلاند…".
" كل هذا صحيح ، لا شك. و لكنني في حيرة من أمره. فقد تهشمت جمجمة آنيل حينما انتشلناه ، و نقلنا رفاته في سلة لندفنه. ( حتى أن بقايا السيارة كان من الممكن استيعابها في سلة ). … لا تعارضني. ذلك الشخص ثمل حقا. التقيت به عدة مرات و حذرته. و لدي ثقة أن نهايته ستكون وخيمة ".
** نبذة عن آر كي نارايان : كاتب هندي مرموق ولد في مدراس عام 1906 ، و توفي عام 2001 . ظهرت أول رواية له عام 1935 بعنوان ( سوامي و أصدقاؤه ). من أعماله الأخرى : المعلم الإنكليزي ، 1945 – بانتظار المهاتما ، 1955 – نمر مالغودي ، 1983 - حصان و عنزتان ، 1970 و سواها…
** المصدر :
**An Accident and other stories by R K Narayan , In : An Astrologer’s Day , The Chapel River Press, 1947 Great Britain. p.p. 104 – 108.
ترجمة : صالح الرزوق - 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























