الذات ضد العالم : رواية جديدة لماريو فارغاس ليوسا

كتبهاصالح الرزوق ، في 18 أكتوبر 2007 الساعة: 07:43 ص

الذات ضد العالم : رواية جديدة لماريو فارغاس ليوسا

بقلم : صالح الرزوق

 

يحتل ماريو فارغاس ليوسا مكانة مرموقة في أدب أمريكا اللاتينية.  لكن هو شأنه مثل ماركيز ، الذي فتح للعالم الثالث بوابة تقوده إلى إمبريالية متأخرة ، بالأحرى إلى إمبرطورية تخلف و فساد و قهر ، تجد في مسيرته خطا فاصلا أو علامة مميزة.

و على هذا الأساس يتحول الماضي لديه إلى مستقبل صورته في عالم من إثنين :

نصف  ( من قبل )  تسيطرعليه علامات الغطرسة أو الماشيزمو ( كما يعرّفها لنا غراهام غرين في السلطة و المجد ) .

و نصف ( من بعد ) حيث السيادة دائما للمحبة و للحياة ، لما يتطور في رعاية و مباركة من الوجدان و مشتقاته.

لقد أصبح لأمريكا اللاتينية على يد ليوسا ( و زملائه ) تاريخ حقيقي لا يمل من تكراره أحد ، لأنه دائما غريب و بعيد عن الأناقة و المظاهر. و لأنه دائما متوحش ونقي بآثامه التي لا تحصى و بمفاسده الشريرة و التخريبية ( كما هي الحال في رواية البيت الأخضر ) ، ثم تاريخ معاكس ينمو من وراء الإيديولوجيات ، أحيانا من فوق الواقع ليدق بأيد دامية على أبواب السماء.

ليوسا ( هنا ) يطلب الإذن ليكون على عتبات الأبدية.

و الإحالة لروايته الأخيرة ( شيطنات الطفلة الخبيثة ) التي صدرت في دمشق و بيروت و بغداد في طبعة واحدة ،  بترجمة أمينة و إبداعية للأستاذ صالح علماني.

منذ السطور الأولى و حتى النهاية  تتجه الرواية و أحداثها بعكس كلمة الناشر ( دار المدى ) التي تؤكد على النكهة الخاصة للحب عند ليوسا.

لا شك أن هذه الرواية تشبه قصيدة غزل طويلة. و لكن تقودها على الدرب ( بالمعنى الفرويدي ) و غير المحتشم الرغبات المؤجلة.

إن الرغبة في مضمار الأفكار ماهية ، و هي ( من كل بد ) ليست نعتا  قاصرا – أو خبرا ، وليست نشاطا مع عاطفة الحياة البسيطة و تصوراتها . إنها تقترب كثيرا من الضغط على الإرادة العامة لمصلحة إرادة خاصة أو انطباع شخصي.

لقد استخدم ليوسا في هذه الحالة ضمير المتكلم ، أسلوب الذكريات ، و حاول أن يتوازن بتعابيره و صوره مع لغة النصوص التوراتية و مع إله من غير رسالة.

كان المؤلف ، و هو يرحل من بلد إلى آخر ( من البيرو في جنوب العالم ) و حتى اليابان ( في أقصى الشرق ) ، من حياة تحكمها الأساطير و الخرافات و الصراع من أجل البقاء، إلى عبث صناعي تقوده المافيا ،  يشبه من يبحث عن ذاته و عن وطنه البعيد و المهاجر و عن أحلامه. بالأحرى عن المملكة الذهبية لإيديولوجيات لا تملك غير الوعود و احتمالات  التبشير بفجر آخر .

إن حضور مثل هذه الرغبات في الرواية كان ينفي في نفس الوقت أسماءها أو لنقل عاطفتها . كان الحب هنا نارا باردة و يتطور مع نقيضه. و لكن العالم و الحياة و الصراع الأزلي ضد القيود و الضرورة كان هو الجوهر الذي يترادف بمعناه مع الروح و صناعة الأخلاق و أخيرا مع المفردات.

لقد كان هناك اعتزاز نثري بخراب الحياة ( كما يصورها لنا ريكاردو – أو ريكارديتو) ، و لكنه في نفس الوقت هو إقرار برحيل عالم مضمر هدفه التغيير عن طريق الطبقة و الحزب و الأنتلجنسيا ، و التمهيد لحياة تتدهور ، و لواقع ينسى مضمونه.

لقد ماتت ( الطفلة الخبيثة ) في النهاية بالداء العضال، و واصل ريكارديتو انسحابه البطيء (أو هزائمه ) في المنفى. ثم وصل إلى ضريح  لمبدأ هو يسميه ( المصير ) ، و نختار نحن له نعوتا مزيفة و وهمية و تنتمي إلى عالم الصور ( بالجمع ) و ليس الخيال ( بالمفرد ) مع التأكيد على شموليته.

إن حلقات هذه الرواية ( و كما يقول مؤلفها بالحرف الواحد ) كانت تستمر طوال فترة النهار و في شطر كبير من الليل…

و كانت تصمت بين حين و آخر – ص 399 ( بمعنى أنها تعرفنا بأهدافنا  و صورنا و بحقيقة مضاميننا المكبوتة حينا ، ثم تستطرد تحت ضغط الضرورة و أصول الخطاب) . و لكن هل كانت عقدة الرواية – كما يتساءل ليوسا بذاته  صحيحة ؟. هل هي عبارة عن مبالغات و إفراط في التفاصيل ؟ . هل هي مزيفة بالكامل ؟- دون دراماتيكية و تتحلى بموضوعية واضحة ( انظر : ص 399 – 400 أيضا ).

سوف نردد مع المؤلف العبارة  السالفة – و هي تختزل أشواقنا في كلمة واحدة. إن المهم في الأمر ( كما يرى ) أن يكون موتنا سعيدا..

و هنا أكثر من إشارة إلى موضوع ( الموت السعيد ) لكامو .

أعتقد أن هذه الرواية هي سجال خاطئ مع كامو ذاته. و ربما الغرض منها إعادة الاعتبار للعبث الإيديولوجي كموقف من العالم و كنشاط للتعبير عن ذات تنتقد خطابها و حقائقها…

 

-          عن دار المدى صدرت الطبعة الأولى من رواية ( شيطنات الطفلة الخبيثة ) لماريو فارغاس ليوس ، و بترجمة للأستاذ : صالح علماني. و في 400 ص.

ولنفس المؤلف صدرت سابقا : أيام البطل ( 1966 ) ، البيت الأخضر ( 1968 ) ، حوار في الكاتدرائية ( 1975 ) ، الكابتن بانتوغا و خدمات خاصة ( 1978 ) ، الخالة جوليا و كاتب النصوص ( 1982 ) ، حرب نهاية العالم ( 1984 ) ، بين سارتر و كامو ( 1981 ) ، امتداح الخالة ، و سواها..

و هو من مواليد البيرو في عام 1936  .

 

صالح الرزوق - 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر