Yahoo!

تحديات العنف لقيام المجتمع المدني ( 2 / 2 ) – ماجد الغرباوي

كتبها صالح الرزوق ، في 27 ديسمبر 2011 الساعة: 09:50 ص

تحديات العنف لقيام المجتمع المدني ( 2 / 2 ) – ماجد الغرباوي

 

تحديات العنف لسيادة القانون

 المجتمع المدني هو الضد النوعي للاستبداد الذي يتخذ العنف اداة له في الحكم، ولا تتفعل قيم هذا المجتمع الا اذا اختفى الاستبداد بجميع اشكاله، السياسي والديني، وطبق القانون حتى يكون أعلى سلطة في البلد، خلافا للاستبداد الذي يؤله السلطان ويمنحه سلطة تفوق سلطة القانون فلا يخضع لمساءلته، بل هو فوق القانون ومصدره، ولا تسري عليه احكامه.

 وانما سمي المجتمع المدني: مجتمعا قانونيا. لسيادة القانون وسريانه على الجميع بشكل متساو ٍ ، كي يخضع لسلطته ارفع المستويات. وعلى اعتابه تتفتت كل السلطات. وعندما يتفعل القانون يتساوى الافراد في الحقوق والواجبات، فلا تمايز الا على اساس الكفاءة، وتكون الاولوية لها وليس للولاء كما هو الحال في ظل الانظمة المستبدة، التي تكون فيها الاولوية في المناصب والحقوق والوظائف للولاء على حساب الكفاءة، فاستشرى فيها النفاق والتملق، حتى قضت ( ظاهرة النفاق ومسايرة الواقع والتعايش معه، قضت على خصائص القوة في تركيب الشخصية، واصبح المبدأ هو التقرب الى الحاكم بما يحب. وفي احسن الحالات الابتعاد عن غضبه او غضب حاشيته. فاصبح سيف الشرع مسلطا على كل معارض يحاول ان يستدل بالقرآن على فساد الحاكم او على جهل الخليفة، وقد استخدموا (واطيعوا الله ورسوله وأولي الامر منكم) على نحو يتضارب مع كل ابعادها المنهجية)( 12 ).

اذا فالعنف، الذي يتلخص هنا في سلطة المستبد، يشكل تحديا كبيرا لقيام المجتمع المدني، ولا يمكن التفكير في هذا النمط من المجتمعات قبل اجتثاث ظاهرة الاستبداد وما يرافقها من عنف كي يتفعل القانون الذي يرتكز اليه في قيام الدولة ومؤسسات المجتمع  المدني، اذ ان نجاح هذه المؤسسات منوط بوجود قانون فاعل، يوفر لها الحماية الكاملة لتمارس دورها داخل المجتمع، بعيدا عن سلطة الدولة، وتسلط الحاكم المستبد.    

لا شك ان الاستبداد يبدأ عندما تتعثر سلطة القانون، وهو اول بوادر الاستبداد، ليصبح السلطان فوق القانون ومرجعا نهائيا في الحكم. حتى يعكس القانون ارادته ويكرّس لتحقيق رغباته بمنأى عن ارادة الامة وطموحاتها، لذا فالممارسات الديمقراطية والبرلمانية في ظل الحكومات المستبدة ممارسات شكلية تنتهي عند اعتاب ارادة الحاكم، رئيسا كان ام ملكا، لان عنف السلطة لا يسمح بوجود ارادة تفوق ارادة الحاكم، وبالتالي تتحول القرارات البرلمانية قرارات مداراة وتملق ومداهنة للسلطة، ولا تمثل ارادة الشعب. بينما تختفي ظواهر الاستبداد  والعنف في البلدان التي تحترم قوانينها، وتجد الشعوب الدفىء والامان في ظلها لعدم وجود سلطة فوقية تقمع الارادة وتضطهد المعارضة، كما ان القانون يحمي حقوقها ويدافع آمالها وطموحاتها.

لذا اكد المصلحون المسلمون، منذ عصر النهوض، على ضرورة تطبيق القانون واعتباره مرجعا للحاكم والشعب على السواء، فقد اشترط عبد الرحمن الكواكبي، مثلا، ان يعبر القانون عن إرادة الامة ويلبي طموحاتها ومصالحها وحقوقها. من هنا يتسائل في كتابه طبائع الاستبداد عن كيفية وضع القوانين: (هل يكون منوطا برأى الحاكم الاكبر او رأي جماعة ينتخبهم لحاجات قومهم وما يلائم طبائعهم وصوالحهم ويكون حكمه عاما او مختلفا على حسب تخالف العناصر والطبائع وتغير الموجبات والازمات؟).

ثم يضع مواصفات القانون ويحدد درجة الزامه بالنسبة للحاكم والمحكوم، يقول: ( هل القانون هو احكام يحتج بها القوي على الضعيف ام هو احكام منتزعة من روابط الناس بعضهم ببعض وملاحظ فيها طبائع الافراد، ومن نصوص خالية من الابهام والتعقيد ، وحكمها شامل كل الطبقات، ولها سلطان نافذ قاهر مصون من مؤثرات الاغراض، والشفاعة والشفقة وبذلك يكون القانون الطبيعي للامة فيكون محترما عند الكافة، مضمون الحماية من قبل كل افراد الامة؟) ( 13 ).

 

تحديات العنف لممارسة السياسية

اعتادت حكومات الدول غير الديمقراطية على احتكار السلطة، بعد انتزاعها بالقوة او التآمر، وقمع المعارضة، والشعب ايضا. وعندما تلجأ بعض الحكومات الى الانتخابات تحت ضغط القوة تؤول العملية الانتخابية الى ممارسة شكلية يحصل فيها الرئيس المنتخب، الذي هو الرئيس الفعلي والمرشح الوحيد، على 99,9% او 99,8% من عدد الناخبين او ربما يفوز بالتزكية. وكثيرا ما يكون الرئيس مدى الحياة، الذي تهتف له الجماهير المرعوبة بالحياة، وتفديه بارواحها ودمائها اتقاء لبطشه واضطهاده. واما المقاعد البرلمانية فمحصورة بالحزب الحاكم، او بعض مقاعد لما يسمى بالمعارضة، الا انها مهادنة للسلطة، فهي في الحقيقة  معارضة شكلية، وكثير ما تكون صنيعة الحاكم نفسه، فلا تمثل رأيا مستقلا ولا يؤول لها الحكم ابدا. واما الدول التي لا تعتمد نظام الاحزاب فعادة يكون لها جهاز امن ومخابرات يحصي انفاس الشعب ويتعقب المعارضة ليقضي عليها في مهدها، ويكون همه توفير الحماية للسلطة وعلى رأسها الملك او الرئيس، فهي اجهزة امن ضد الشعب وليس لحمايته وحماية حقوقه، وهي مصدر انتاج العنف والقاء الرعب وتسويغ الاضطهاد. اذن فهذا النمط من الدول تعاني دوما من دكتاتورية الرئيس او الملك او الحزب الواحد او الاجهزة الامنية. والغريب ان الاحزاب الحاكمة تتحول بمرور الايام اداة مسخرة بيد الحاكم المستبد، لا تعارضه او اتخاذ قرارات تقاطع ارادته، ويتحول الى جهاز امني لحمايته، وبالتالي تتلخص الدولة واجهزتها المختلفة بشخص الرئيس، او تتلخص بجهاز الامن والذي يتلخص هو الآخر في رئيسه، المطيع لرئيس الدولة والحريص على تحقيق رغباته.

الا ان العملية السياسة في ظل المجتمع المدني والدول الديمقراطية تختلف جذريا عنها في الدول الاخرى، فللشعب حضور حقيقي، في الدول الديموقراطية،  من خلال المؤسسات والانتخابات، كما ان التنافس بين الاحزاب السياسية على السلطة لا يتعرض لأي لون من ألوان الاضطهاد، وحينئذ لا يؤول الحكم الا لمن من يكسب الانتخابات بطريقة شرعية ويختاره الشعب عبر الاقتراع، بينما يتراجع الآخ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تحديات العنف لقيام المجتمع المدني ( 1 / 2 ) – ماجد الغرباوي

كتبها صالح الرزوق ، في 27 ديسمبر 2011 الساعة: 09:50 ص

تحديات العنف لقيام المجتمع المدني ( 1 / 2 ) – ماجد الغرباوي

 

 من الواضح بعد تجربة الانظمة الحاكمة، وتجارب الشعوب القاسية مع حكوماتها، وما عانت المجتمعات من جراء الاستبداد السياسي والدكتاتورية والتفرد بالسلطة، ان خيار المجتمع المدني بات يتفرد باولوية بين الطروحات الاخرى، ولا يمكن التراجع عنه بعد ان اثبت نجاحه في اكثر الدول المتقدمة حضاريا، وعدم تقاطعه مع قيم الاسلام، والاقدر على استيعاب التعدد والاختلاف، وامانته في حفظ الحقوق المشروعة للجميع بشكل متساو ٍ وفق  القانون. اذ سيوفر هذا النمط من الطروحات اذا ما احسن مراعاته وتطبيقه، للفرد كرامته ويضمن حريته وحقه في اختيار أي صيغة يراها تفي بآماله وطموحاته، ويؤكد فيه الفرد ذاته ويمارس دوره بعيدا عن سياسة الذل والعبودية والرعب من السلطة، فيستجيب للقانون ويدافع عن الدستور ويرفض التآمر عليه او استباحة حرمته. فهو اذن طموح وحلم يراود كل الشعوب التي لم تذق طعم الحرية، والتي ظلت تعاني من دكتاتورية السلطة والحاكم المستبد وخضوع القانون لارادة الرئيس والقائد والزعيم.

ورغم ان مفهوم المجتمع المدني حديث التداول في المنطقة الاسلامية، ومنطقة الشرق عموماً، إلا أنه يعود في بداياته الى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وربما يكون «جون لوك» اول من استخدمه بعد الثورة 1688م، ثم توالى على دراسته ونقده واستقصاء ابعاده المختلفة عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة الغربيين، مثل : «هوبز، روسو، هيجل، و…». فكانت ولادته في ظل التحول الجذري الذي اجتاح اوربا والانتقال من عصر الظلام الى عصر الدولة الحديثة والنظام الجديد( 1 ). ثم عاد للظهور ثانية ليرافق بدايات التحول في اوربا الشرقية، فانطلق هذه المرة من بولونيا 1982م، عندما طرحت نقابة التضامن نفسها باعتبارها احد تنظيمات المجتمع المدني. ولم يتفاعل الوسط السياسي ـ الثقافي العربي معه إلا بعد أمد امتد الى التسعينات من القرن الحالي، ليكون رهاناً جديداً تلا اخفاق الدولة الحديثة في نقل المجتمع الى مستوى الطموح الذي كان يراود مخيال النخبة السياسية والمثقفة. فليس هناك تقدم حقيقي على صعيد ممارسة الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة وحرية الرأي( 2 ).

ولم يترشح عن المهتمين بدراسة مفهوم المجتمع المدني تعريف متفق عليه، بل راح كل واحد يعرفه انطلاقاً من خلفيته الثقافية، وما يحمله من تصور عنه. لذا ظل المصطلح ملتبساً يعاني ضبابية كثيفة، لكنه لا ينفي وجود ملامح خاصة تحدد هويته واتجاهه الوظيفي. فمن خلال المتقابلات يمكن رسم صورة جلية تساعد على ادراك ابعاده المختلفة.

أطلق المجتمع المدني في مقابل المجتمع البدائي او الطبيعي، الذي تجتاحه الفوضى واللانظام، وتفشي حالة الرعب والقلق والتوثب الدائم لمواجهة الاخطار المحدقة به، فاضطر الافراد بشكل تدريجي الى تأسيس مجتمع منظم لضبط ممارسة السلطة والفصل في النزاعات وسيادة القانون وتأمين الحماية لحرية الفرد في الاختيار، اي اختيار انتمائه للمؤسسات الجديدة، فافترق المجتمع المدني عن المجتمع البدائي بحرية الاختيار، بعد ان كان الفرد مجبوراً في انتمائه الى مؤسسات المجتمع الارثي (او الاهلي)، مثل: العائلة، القبيلة، الطائفة…، وساد القانون مرافق الحياة لينهي حالة الفوضى والتشرذم.

ويقابل المجتمع المدني عند بعضهم المجتمع الديني، الذي اتسم في العصور الوسطى باستبداد الكنيسة وهيمنتها الممتدة الى الحريات الشخصية، فليست هناك ارادة تتعالى على ارادة السلطة الدينية، او تتجاوزها لتتمتع بهامش ولو محدود من الحرية. فجاءت اطروحة المجتمع المدني لتفتت السلطة الدينية وتعطي للمجتمع شخصية مستقلة في مقابل الدولة، والدولة تمارس السلطة في دائرة ارادة الشعب واختياراته.

وهناك من يضع المجتمع المدني مقابل النظام السياسي العسكري للتخلص من النزعة الاستبدادية المقيتة التي اعتادت على ابتلاع المجتمع ومصادرة حرياته.

ويرى عدد من الباحثين الاجتماعيين أن المجتمع المدني هو نتيجة طبيعية لتطور المجتمعات الانسانية، فالبشرية خلال مسيرتها الطويلة مرت بعدة مراحل: مرحلة المجتمع البدائي (مجتمع الصيد وجمع الغذاء)، المجتمع الزراعي (المجتمع الانتاجي)، المجتمع الصناعي… وفي كل مرحلة ينتقل المجتمع الى مستوى اكثر تعقيداً من الناحية الاجتماعية والتنظيمية. كما ان الدول تصبح أكثر تطوراً في المرحلة التالية فتعجز عن تلبية جميع المتطلبات الاجتماعية منفردة. فالمجتمع المدني يقوم عبر مؤسساته بدور الوسيط بين الفرد والدولة، وينهض بمهمة تنظيمية داخل المجتمع نفسه. وعليه سوف لا يكون المجتمع المدني طبقاً لهذه الرؤية سوى صيغة عقلائية لتنظيم المجتمع وعلاقته بالدولة ( 3).

اما الصيغة المنبثقة عن القيم الليبرالية، فانها تجعل المجتمع في مقابل الدولة. والدولة تكون جهة محايدة ازاء المجتمع تقوم بتطبيق القوانين المعبرة عن ارادته. ويتمتع الفرد في ظله بحريات واسعة جداً، وتكون الممارسة الديموقراطية ممارسة حقيقية عبر المؤسسات المدنية (كالاحزاب والجمعيات وغيرهما). كما ان الدولة فيه علمانية لا تخضع للارادة الدينية.

والتفسير الاول والرابع للمصطلح يعبران عن صيغة عقلائية لتنظيم المجتمع يمكن ان تتحرك في اي اطار قيمي واخلاقي، فتارة يتحرك في اطار القيم الليبرالية ويؤدي وظيفته الاجتماعية ومن الممكن ان يتحرك في اطار القيم الاسلامية، كصيغة عقلائية يراد بها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مينا ضد صدام عام 1982 - قصة مترجمة للكاتبة الإيرانية مرجان كمالي

كتبها صالح الرزوق ، في 21 ديسمبر 2011 الساعة: 08:23 ص

مينا ضد صدام عام 1982

قصة: مرجان كمالي

ترجمة: صالح الرزوق

 

قبل ثلاث سنوات عندما اكتسح شعب إيران الشوارع، ابتهج أشقاء مينا وصفقوا وهللوا وقفزوا وهم يهنئون بعضهم البعض بالمصافحة، على الطريقة الأميركية المعروفة.

الشاه ذهب إلى غير رجعة. لقد انتهينا من أساليبه الديكتاتورية الشريرة. ولكن في وقت لاحق اعتبرت تنورات أم مينا القصيرة خارج القانون، وانتشر رجال ملتحون في كل زاوية من كل شارع وهم يرتدون البذات العسكرية النظامية، ويحملون البنادق.

ولكن كان هذا مسموحا به في الماضي - سيقان مينا العارية، الكحول الذي يحتسيه والدها، الروك والرول الأميركي، الآن كل هذا ممنوع. وبدأت القنابل تنهمر على طهران، وكان هذا يكفي ليدفع بنتا صغيرة لها من العمر عشرة سنوات فقط أن تحن لأيام الشاه.

ألقى صدام أول قنبلة، في منتصف الليل عندما كانت مينا تغط بنوم عميق، وتحلم بعصير الرمان القوي. بم. اهتز البيت وأسرعوا جميعا للهبوط إلى القبو وانبطحوا على الأرض. كم عيناه خارقتان، كانت تعلم ذلك. إنه القبطان الذي يحلق بطائرته ويستطيع أن يرى حتى الفئران في منتصف ليلة لم يظهر فيها القمر. وإلا لماذا كل أهالي طهران يغطون سواتر نوافذهم بورق الألومنيوم حتى في الليل؟. إنه سيقتلها بمجرد أن يراها - لقد بدأت تتيقن من ذلك.

أصاب الجنون كل الرجال تقريبا في بلدها. . بدأت لحاهم تطول، وأخذوا ينظمون خطابات في كل مكان عن آية الله الخميني وهم يضمون قبضاتهم ويصيحون:" الموت للشاه!". مع أنه كان ميتاً فعلاً نتيجة السرطان، ومتجمداً تحت ثرى أرض غريبة. لكن الرجل المسعور يعيش في بلد مجاور. كان يجلس في العراق، يشرب الشاي، وينظمالمؤتمرات بحضور مستشارين يرغبون بالقتل. كانت تعلم، أنهم جميعا سوف يقتلونها لو سنحت لهم الفرصة ، لذلك فإنها تذهب إلى المدرسة وتعود منها بسرعة السهم. لم تعد تعتقد أن طائراته الحربية لن تجرؤ على إلقاء القنابل عليها حتى في وضح النهار.

في الليل، وهي تتلو صلواتها، ينتابها شعور مريب أن القبو أفضل مقارنة بالسرير، فهو يمنح راحة وطمأنينة للرأس، وبالتأكيد، وهذا يحدث دائماً، كان الطاغية يلقي بقنابله في منتصف الليل، حينما تكون مع والديها وأخوتها متجمعين هناك وهم يرتجفون ويتمسكون بالأرض بقدر استطاعتهم. ولو بإمكانها الهبوط الى تحت الأرض للهرب من القنابل، لفعلت.

لم تكن تسمح له أن يتفوق عليها في الصباح، وهي تدهن معجون الكرز الحامض على خبزها القاسي، تؤكد أنه لن يتمكن من الوصول إليها ولا لأيٍ من أفراد أسرتها. تتصوره وهو يرسم الخطوط على خرائطه بأقلام شنيار كبيرة، ليحدد مسار خطواتها. هل يعلم أنها تسبح كل أربعاء في بيت ابن خالتها. ربما. وكانت تحرص أن تتخذ اتجاها مختلفا وهي متجهة لبيت ابن خالتها.

كل ليلة وقبل النوم تعقد صفقة مع الله تعالى: رجاء احفظ لي حياة أمي. لن أكذب حول أي موضوع أبدا. سأتوقف عن إهمال واجباتي في البيت. وإخوتي، أعدك أن لا أتجادل معهم مجددا. رجاء، رجاء احفظ لنا حياتنا، ومن فضلك، لا تسمح لصدام أن ينتصر. ولا شك أن الله كان إلى جانبها، لم تكن تناديه : " يا الله" ، بل بالكلمة الفارسية " خودا khoda" فقط التي تعني يا الله . كانت تدعو وتصلي لإله يبدو لها أشبه بصورة للشاعر القديم الرومي. وكانت تصر على أنها يجب أن تعيش، وعلى صدام أن يموت أولا .

ذات يوم وضعت قائمة تتضمن كل الأشياء التي تود القيام بها. أن أنتهي من المدرسة الابتدائية. أن أدخل في طور الدورة الشهرية. وأن أتعلم كيف أطبخ مثل أمي وجدتي. وأن أقفز ثمانية وثمانين مرة القفزة الألمانية ، من غير التقاط أنفاسي. وأن أتزوج وأنجب أطفالاً صغاراً. سيحدث هذا ذات يوم. وأن أمد يد العون للفقراء في كل مكان. وأن أحفظ على الأقل مائة بيت شعر غزل لحافظ ، وأن أتعلم اللعب بحذاء التزلج. أن أرسم عدداً كبيرا من اللوحات، وأضع حدا لكل الحروب المستعرة بشكل من الأشكال.

كانت القائمة تطول باستمرار. لديها المزيد. هل نسينا صدام؟. لديها أمور إضافية يجب الاهتمام بها. انظروا كيف يقصف بلدها بالقنابل. ويحاول أن يغدر بها. حسنا، هذا لن يفيد خططها. ولكنه في كل مكان. شاهدت شكل شاربه وهو بين السحاب. كان ينعكس فوق سطح الماء الملوث الذي يلمع ويسيل في مجاري المدينة، وهي على يقين أنها رأت أصابعه الممتلئة تطفو فيه. وجزء من خصلات شعره كان في طبق الرز والعدس، وعندما توفيت جدتها بسبب قنابله، وهي تشتري الرمان في وسط المدينة، ( في 11:37 قبل الظهيرة ، هكذا بالضبط سقطت قنابله) - علمت مينا على وجه اليقين أن هدف صدام هو أن يقتل روحها.

بينما كانت تبكي في الجنازة، وهي تقبض على يد أمها، أقسمت وهي تنظر إلى أعلى لتبحث عن طائراته، أنها سوف تنتقم منه. لن يقتل بعد الآن، ولن يمحو شخصا آخر من وجه الخليقة. ليس بوسع هذا النذل أن يقتل جدتها العزيزة ويهرب بفعلته.

ثم بدأت إيران رحلة الألم والانكفاء على الذات، وتحولت أخيرا إلى بؤرة متورمة من الحزن القاسي. فكرت مينا أن تذهب إلى مركز البريد وترسل رسالة إلى عمها في أميركا ، ولكن صدام قصف مكاتب البريد. فذهبت إلى بيت عمها الثاني لتلعب معه بالورق، بمناسبة عودته من الحرب مؤخراً. ولكن صدام كان قد بتر له كلتا يديه. وسمعت أن أصدقاء شقيقها من الرجال الشجعان، تواروا في شاحنة صغيرة، وأقسموا أن يخوضوا هذه الحرب حتى آخر نفس. وأن يقتلوه.

حدث هذا في عام 1982 وكان ما زال يتحرك بقوته العسكرية هنا وهناك. لو عليها أن تضع يدها حول فمها وتصيح بالعالم ليأتوا و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أشكال من التهذيب- قصيدة مترجمة

كتبها صالح الرزوق ، في 19 ديسمبر 2011 الساعة: 08:52 ص

أشكال من التهذيب

شعر : مي – مي بيرسينبروغي

 ترجمة : صالح الرزوق

1 –

للاستفادة من فرصة العلاقات و التقاطعات ، التي توجد

بالعادة بين ما يحصل

لها و لرغبتها ، هي تكتب بعض الاستعارات سواء الواضحة

أو الرمادية ، مثل شاشات من أشعة تعبر

السهول و فيها تتوازى هي نفسها و كل أملها بك و

بأسلوب مؤازرتك ،

و هكذا أنا و أنت نميل لنشبه بعضنا ، الآن. الطريقة التي ينيرون بها

الأرض مثل أشعة حمراء لا تترك أثرا

فوق الطبقة الخارجية ، حقا ، إن جزءا من خيالك ارتبط بعبارة وثيقة

مع رغبتي ، و ها هو يبقى داخل جسمي.

هذا لم يصل أبدا للمشاعر ، و التي تنحو لأن تضر بالجسم ، و لكن

يبدو أن الذاكرة تطلب ذلك.

و أداة النظام اكتشفناها لتفصيل المعلومات

الحميمة و لكنها غالبا غير مقبولة

بمقياس فكرة ما أطلبه منك ، أعني جمال المعنى و

الشكل. هي توقعت أن الاضطراب

يصنع أوتوماتيكيا هذا الجمال تقريبا. مثل امرأة سرقت حبل

النار من بيتك ،

و لكن ليس لتعليقها في البستان المجاور للبيت. كم

كانت غريبة عنك.

لم تكن على الإطلاق جزءا مجسدا بوعيك. و هكذا لم

تتعرض للتناسي أبدا

هي مدفونة فيك بنفس الطريقة التي تشكل بها الخبرة المباشرة الوعي 

لتضيف طاقة تحويلها إلى مواد

أن تعيش سيرة حياة شخص آخر ليس مثل أن تعيش حياته أو حياتها.

إنها ترسم خطا لقصة أو لجمهرة من التفاصيل المتعاكسة ، مثل ثياب تلتف حول جسمها ،

أدوات للدفاع و التوسع ، و هذا يلقي المعنى على التموجات ، مثل أشياء من المتعة

التي تربط بينها و بينك. نظاراتها الشمسية تغرق في الريش لتعبر عن

صدفة الضوء و الفراغ ، و لذلك ترياق الفترة الضائعة يمكن أن يستخدم

كملون أو مؤازر للمعطيات ، عوضا عن حدسها بالتخيلات حيث أن ما تتصوره

يمثل ما يجري حقا ، سواء أساءت الأسلوب أم لا.

أحيانا يقع ذلك خلال روتين تعرضه بتوزيع النور بالتساوي على الأرض

أو حينما لا تعني الأشياء أي معنى ، مثل الانسجام الضوئي ، و هذا ما يحصل بالإضافة لشيء ما لتعني

الالتحام بالصدفة. هذا الشيء ليس هو الشيء ذاته ، و لكنه مثل ما هو عليه.

هذا يشبه التزوير ، و هو لا يعني شيئا ، مع أنه يوجد شيء يمكن أن تهدف إليه ،

و لذلك عزلتها هي للتغطية على تكرار عطالة من غير نهاية أو لعلاقتها معك ،

و هكذا كل تلك الأشياء التي سنحتويها ستجد مكانا لها. هذا تعاطف أو مشاركة معها في الحدس.

أنت تنظر في عين شخص ما كما لو أنك تنظر من خلال وجهه.

2 –

لأنه ليس من الممكن أن تمتص أكثر من رؤية واحدة في كل مرة ،

يبدو هناك تعارض بين المنظور و الفضاء ، أو بين السياق و ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بيت فرويد ومؤثثاته الرزوقية(1) - بقلم : صباح الأنباري

كتبها صالح الرزوق ، في 18 سبتمبر 2011 الساعة: 07:44 ص

 

بيت فرويد ومؤثثاته الرزوقية(1)

صباح الأنباري

 

   شكلت الفرويدية مصطلحا سايكولوجيا اقترن باسم مؤسسها سيجموند فرويد وهي واحدة من الفتوحات العلمية الكبيرة التي لم تستطع النظريات تفنيدها، أو دحضها، أو زحزحتها، أو تجاوز ما قدمته من موجهات نظرية أرست دعائمها بشكل كاد ان يكون ثابتاً لو لا الاكتشافات، والحقائق الجديدة التي اشتغلت على جوانية النفس البشرية، واسرارها الغامضة. لقد ضلع فرويد في تفسيرالاحلام بشكل علمي دقيق دحض ما قبله من المفسرين، والمؤولين، والمنظرين، وأثر في أجيال ما بعد الفرويدية على  الصعيدين الفني والتقني. لقد دخلت الفرويدية الى عالم الابداع، ووجدت لها مسالك جديدة في السينما، وسائر الفنون المقروءة منها والمنظورة، ولم تزل بعض الكتابات تنهل ـ حتى يومنا هذا ـ ما شاء لها ذلك من طرق المعالجات السريرية وغيرها، وتسخيرها لخدمة موضوعاتها المختلفة. ولعل مجموعة كتابات د.صالح الرزوق الموسومة بـ(بيت فرويد) هي آخر ما وقع بين يدي من الكتابات التي جهرت بخلفيتها الفرويدية مؤسسة صرحها على بنيتي الرؤى والخيال الملازمتين الأساسيتين للمجموعة كلها. ونظراً لأهمية هذه المجموعة، وقيمتها الفنية والتقنية رأيت أن من الضرورة بمكان إلقاء الأضواء على بعض مؤثثاته الأساسية كالعنونة، والنصوص.

      

أولا. العنونة:

اشتغلت العنونة في (كتابات) د. صالح الرزوق على مفردتين هما: (بيت) و(فرويد). تأسست الأولى على موحيات واقعية كمكان يدخر قيماً مختلفة، وثوابت، ومتغيرات رمزية موحية أو دالة على مكنونه الداخلي أو جوانيته كمكان منغلق على عالم يتسع اسرار، وانشطة تفاعلية كامنة. ومن لحظة القراءة الأولى لصورة العنونة، وشكلها الحروفي بدت لنا أن مادة الكتاب ستلقي بظلالها، وثقلها وراء حدود المكان (بيت)، واسواره الحصينة، وجدرانه السميكة.

إن اضافة المكان (بيت) الى اسم العلم (فرويد) منح العنونة تخصصا سايكولوجيا مقصوداً، ودلالة على اشتغال (كتابات) صالح الرزوق على الفرويدية في تحليل الرؤى، والأخيلة، وما يتصل بهما ـ من قريب أو بعيد ـ ضمن منجز ابداعي لم يشأ الرزوق تحديده جنسياً بغير مفردة (كتابات) وهي مفردة عامة قد تتضمن ـ في معناها ـ كل الاجناس الأدبية والفنية، وقد تقتصر على جنس محدد منها أو انها ستنفتح على مختلفها بشكل أو بآخر أو قد تكون ذات توجه تحليلي في منحاها وبيانها لاضطرابات شخوص (الكتابات) وأثر تلك الاضطرابات على بيئتها المحيطة. ولا تفوتني ـ وانا بصدد العنونة ـ الاشارة الى شكلها الذي ارتكزت مفاصله في ـ رسم الحروف ـ على قلاع مثبتة على مدى حروفها الثمانية، ومفاصلها الحادية عشر فضلا عن الخلفية الرمادية الشاسعة التي لم تترك الا فسحة ضيقة للضوء في أعلى لوحة الغلاف. إن وجود اللون الرمادي بمساحة واسعة لم تترك مجالا لتدرجات الأبيض والأسود في دلالة لانغلاقه أمام تلك التدرجات مما عزز تصورنا عن غموض قاطني المكان (بيت فرويد) وحالاتهم النفسية المنطوية تحت رمادية حياتهم وأحاديتها، وعن كون النصوص غرفا تختلف أحجامها، ومساحاتها، ومؤثثاتها، وفضاءاتها لكنها تلتقي في كونها تشكل بكليتها خارطة بيت فرويد الرزوقي.

 

ثانياً. النصوص/ الرؤى

تجدرالاشارة ـ قبل بادئ ذي بدء ـ الى ان كتابات الرزوق احتلت رقعة زمنية امتدت من عام 1977 الى عام 2010 وهذا يعني أننا بازاء مختارات انتقاها الرزوق من مجموعة كتاباته للسنوات المشار اليها والتي تشكل فيما بينها انسجاما نمطياً هارمونياً، وبناءً رصت لبناته بطريقة جعلت من (بيت فرويد) متماسكا برؤاه واخيلته. ولعل الرزوق تقصد ان تكون إشارته الأولى(2) مفتاحا للدخول الى عوالم البيت ومؤثثاته الذهنية. يقول مفتتحا هذا النص:    

"عندما سمع صوت الجرس الفضي الرخيم يرن في ذهنه علم ان هذه هي الاشارة"   

فالجرس هنا يتمتع بوجود ذهني افتراضي كما هو حال الموجودات الأخر كالشجرة، والحديقة، والصالون، والكنبة، واللوحة. وان افتراضيته مرتبطة باحتمالية تجاوزه الحاضر القائم الى المقبل القادم. انه اشارة البدء التي ستقوم عليها تسويفية فكرة النص، وردة الفعل البافلوفي. فالسماع هنا متبوع أو متزامن ـ لا شرطيا ـ مع القيام بفعلين انعكاسيين هما (أسرع) و(باشر): "أسرع الى شجرة العائلة، وباشر بالبحث عن مكان لها في الحديقة". ان الاسراع والبحث عمليتان اشتغلتا على واقعية حركتيهما ومن ثم تحولهما التسويفي "من مجرد نية مضمرة بالحياة الى ظل وارف، وعقدة من الأغصان المتشابكة"

ان زمن هاتين العمليتين محدد بجدوى الانتظار الطويل في مجال افتراضي لا محدد له على وجه الدقة "الى ان يحين الوقت" الذي عقب أو نجم عن مسببات الخراب وما آلت اليه من الآلام، والأوجاع، والجراح، والقسوة المفرطة. عند هذه النقطة يبلغ الرزوق نصف اشتغالاته على شخصية النص المستوحدة ولينتقل بنا الى البيئة المحيطة لبيان مكامن القسوة ونكء الجروح فضلا عما يتصل بها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

معادلة الأخوة الأعداء : الوطن والمنفى في أعمال برهان الخطيب

كتبها صالح الرزوق ، في 18 سبتمبر 2011 الساعة: 07:43 ص

معادلة الأخوة الأعداء : الوطن والمنفى في أعمال برھان الخطیب

بقلم : صالح الرزوق

 

لا یستعمل الروائي المعروف برھان الخطیب في أعماله الأساسیة علبة الماكیاج التي لجأت إلیھا الحداثة العربیة الكسیحة. و لا یحاول أن یمتحن ذكاء وذھن القارئ بالألغاز و الطلاسم التي استعملتھا الأسالیب المعاكسة التي    یدعوھا النقد الفني باسم الروا یة - اللانص.  فھو یحتفظ دائما في مجمل كتاباته بشخصیات للصف الأول، و معھا بعض الرموز الداعمة التي تعمل في الكوالیس.  و في نفس الو قت لا یألو جھدا للمحافظة على إطار       مشترك للأحداث، ذلك السیاق الھادئ و المتسلسل و الذي یشبه في أدائه انبلاج الفجر و انتھاء دورة الظلام.

و لكن ھذا لا یعني أنه یستعمل نفس محرك السیارة القدیم.  فھو غالبا ما یخرج عن نص السیناریو الجاھز، و یدمج التكنیك الواقعي المفصل بطریقة تیار الشعورالمونولوج الذي یضمن لنا نافذة على مسرح الأحداث.  و ھو في جمیع الأحوال مخصص لعالمین متشابكین : الوطن و المنفى.  مع نافذة إضافیة مفتوحة على المجال النفسي لكل شخص.  و لو أضفت لذلك حواراته الفلسفیة، و التي تكاد أن تصل لمشارف التأملالتكھنالحدس، یمكن أن نلاحظ كم ھو مغرق في متابعة تفاصیل الآخر، و كم ھو مسرف في الحصار المفروض على تفاصیل الخاص و المطلق.

و لبرھان الخطیب قانون أساسي، أن ینھمك بالتركیب بدل المحاكاة، و ھذا یعني إعادة تشكیل و تصدیر و          تسویق الوا قع أو إعادة تدویر بل تفسیر الوثائق و المدونات.  و لمزید من التوضیح : إنه یتبنى شكل الروایة التاریخیة لا لتقدیم دروس و عظات بل لكشف المسالك الخفیة و المعتادة التي لا بد من استخلاصھا و التطرق لھا.  و ھي نفسھا التي تندرج تحت مبدأ الفرقة الناجیة أو مبدأ التحدي ، و التي تقترب من شكل الروایة الطبیعیة في إعادة إنتاج الواقع من خلال التركیز على أجزاء مختارة منه.

و لكنه لا ینسى في جمیع الظروف أن یحیلنا إلى سیرته الذاتیة و إلى محطات من حیاته، و ھذا یعني بالضرورة و ضمنا الھم السیاسي العام و العلاقة الشائكة بین الذات و المجتمع.

و لذلك استطاع و عبر مسیرته الطویلة التي امتدت لزھاء نصف قرن (  أو أقل بدرجة یسیرة ) أن یعبر عن الصور الاجتماعیة لعالم لا یدور و ینضبط إلا بفعل لولب السیاسة و حوادث التاریخ الجلیلة التي تترك وراءھا بعض الندوب ، و ما یستحق منا أن نسمیه  ) بالإذن من علوم الإحصاء ( المتبقي  residualأو بلغة الأدب الحنین و الشجن.  و ضمن ھذا الخط الصاعد الذي تخطى عتبات لبیوت روائیة متعددة تندرج روایته ( على تخوم الألفین ) ( 1 )  ، ثاني أھم محطة في تاریخه الفني ، و التي یقدم لنا فیھا صورة عن صراع الحضارات ، بالمعنى الأنتروبولوجي للمصطلح ، حیث أنه یضع بلده العراق و مكوناته و بنیته الاجتماعیة ، أمام فضائین مختلفین:

- 1  قوات التحالف التي تبنت لأول مرة في التاریخ السیاسي المكتوب مھمة التبشیر بخطاب معرفي له رسالة سیاسیة .

- 2  ثم خالد ضمیر الكاتب و رمزه الفني، و ھو مراسل مغترب یعود أدراجه بعد الغزو لتغطیة الأحداث .

لقد كانت لبرھان الخطیب تجربة سابقة مع الروایة السیاسیة ، و ھي ( شقة في شارع أبي نواس)( 2 ) المعروفة باسم  ) الروایة الممنوعة  ( لأنھا كانت مدرجة في القائمة السوداء ، و هي لم توزع في أسواق الكويت و العراق في الثمانينات إلا عن طريق التهريب. و قام بهذا الدور الروائي المعروف إسماعيل فهد إسماعيل. لقد تكاتفت الأسباب لتضع هذه الرواية في صف واحد مع أبطالها المطاردين و المطلوبين لعدالة عمياء. و مع أنها لم تكن ذات أسلوب دائري مغلق كما ھو الحال في روایة ( الجنائن المغلقة ) ( 3 )  ، و التي تنتقل أحداثھا على طول قوس عریض یبدأ بموسكو و ینتھي باستوكھولم، مرورا بمحطة أساسیة و مریرة ھي دمشق ، و كما یفعل بالعادة أھم كتاب الروایة السیاسیة ربما للإعراب عن خیبات أملھم و عن الھزیمة المنكرة التي لحقت بالوجدان المطلق قبل أن تقوم بتفتیت البنیة ، فقد تعاملت مع التاریخ الوطني للعراق من الداخل ، و بشكل شھادة عیان أو وثیقة فنیة عن صراع یدور بین الأعراق المختلفة المكونة للمجتمع ، ثم بین المذاھب و الأحزاب.  و لو شئنا الاحتكام لمصطلحات لوكاتش المعروفة نقول : الصراع بین البنیة التحتیة و الفوقیة . و ترتب على ذلك منغصات و أھمھا صعوبة رسم كامل الصورة و الاكتفاء بجزء منھا ، و بعبارة أوضح            : الابتعاد عن التابوات ما أمكن دون التغاضي عنھا.

لقد توفرت لهذه  الرواية أكثر من إشارة تربطھا ببواكیر عالم جبرا و لا سیما روایته ) صیادون في شارع ضیق( ، مع فارق واحد ھو أن جبرا بولیفوني بمعاییره و أدواته . فھو یرسم بكثیر من العمومیة و التجرید فكرة الأنتلجنسیا مقابل فكرة الرعاع. بدلیل أنه یستخدم أسلوب تقابل المفاھیم و الأفكار ، و لكن ھذا لا ینسحب على أسلوبه في المحادثة و الذي یبدو أنھ مستقر و یخضع لمقاییس البلاغة الرسمیة . أما عالم برھان الخطیب فھو على العكس ، إنه یساوي ما بین الصور و الأفكار و حتى ما بین المراجع. و لا توجد لدیه مسافة بین الریف و المدینة ، أو بين المنظمات و الأفراد .  فالجمیع یعیشون بدوافع و مقتضیات احتیاجاتھم البسیطة.  و ھنا یتساوى دافع النشاط السیاسي الساذج مع العلاقات الجنسیة المباشرة ، و تتساوى الرغبات مع الكوابح و تلغي نفسھا.  و یبدو الزمن بلا حراك كأنه ساعة لا تدور عقاربھا ، أو أشبه بعوامة في وسط تیار راكد ،  بنفس الطریقة التي قدمھا لنا نجیب محفوظ في ( ثرثرة فوق النیل ) ، و بالمقابل إنه یضع خطابه في خدمة شخصيات تكشف بأفعالها عن أصولها الطبقية و معارف المجتمع – بعبارة أخرى عن مطلق الصورة ، و ليس بنية الفرد أو الشخص. و هذا يرفعها من مستوى بطل روائي عادي إلى بطل واقعي يتشكل بالمجاز. لذلك إن شخصياته ( كما قال في رسالة خاصة بتاريخ 18 – 9 – 2011 ) :  تتألف من تركيبات مختلفة ، فسامي الإنساني غير عداي المستهتر ، و غير حميد المناضل المهموم بقضية بزغ فجرها في وقت باكر ، و غير نعيمة المختلف عليها و الضائعة بسبب هويتها المركبة التي نشأت من تداخل الموجبات و الظروف . و هذا أفضل تعبير عن تنوع المذاهب و الأعراق في بلد شمولي. لقد توجب على تلك الشخصيات المتنوعة أن تقترب من الضد النوعي ، ليس بدواعي التسامح ، و لكن بالإكراه. و إذا اتفقنا أن نعيمة ، هي البجعة السوداء في الشقة ، أو أنها القضية التي تفترق عندها أو تتقاطع أهداف و غايات فرسان الشقة الثلاث ، فقد كان لـ 2 من أصل 3 موقف متشابه. و هو الإصرار على استغلالها و نهبها. و الإصرار على استنزاف طبيعتها العذراء و تحويلها من ذات إلى موضوع. و بمفردات الرواية : من بنت كردية بسيطة تبحث عن ملجأ أو حماية إلى مجرد موديل نصفه واقع بارد و نصفه الآخر خيال .

لا شك إن نجاح الرواية هو في هذا الإنجاز : أن لا تخطئ في النبرة الموجهة للقارئ و أن تترك للشخصيات الفنية حرية التصرف، و  أن تستمر في الاستجابة لخطط الكاتب و رؤيته، و هكذا استطاعت إعادة تركيب المرحلة.  و هذا يفسر لماذا يرى الكاتب في رسالته السابقة : إن الحكاية تبرأت من نفسها و تحولت إلى صورة شاملة عن فضاء عام. لقد عمدت إلى الصمت عن المكبوت السياسي، و أسرفت في الكشف عن عيوب الشخصيات. و كان من السهل أن تصنف هؤلاء الأبطال الفاشلين في خانة الأسباب فعلا ، سواء للهزيمة أو للتخلف.

لم توفر الرواية ، إذا ، لأبطالها القدرة على إدارة حوار وطني فيما بينهم . و كان النقاش أشبه بمجال افتراضي يدور بين : حقبة الأفكار الوطنية الرومنسية حيث أن اليد العليا للأسرة أو العشيرة أو القبيلة. و هذه أدوات كل أوراقها تمر من تحت الطاولة و بالخفاء. و حقبة الخيال الحديث الذي تخلى عن الشروط و الارتباطات بدفعة واحدة ، و استعد للتآمر على منطق الأب - الإله بمكوناته الأوديبية و الدموية المعروفة.

و بالتمادي في تفسير الرواية تعتبر الشقة و كأنها البروكسي الذي يربط الصورة مع التفاصيل . أو أنها السؤال و الجواب. بداية القول و نهايته. من ناحية هي علامة مسجلة عن الماضي المقيت: و خذ شكلها و موقعها على سبيل دليل تأكيد أو قرينة . فهي تشبه بأسلوب إجمالي قلعة مرعبة صغيرة لا تشتعل فيها الأنوار ، و تنفتح كافة أبوابها على خيوط الماضي ، و بقربها يمر دجلة ( و هو ينساب على مر العصور بلا اكتراث لما حدث و ما سيحدث ) ( 4 ) ، و تعصف بها من الداخل الوشايات و حوادث السفاح و الاغتصاب. و يقف على عتبات أبوابها السجان الجاهز . و من ناحية أخرى إنها علامة غير مسجلة عن الحاضر المخزي و عن الزمن المشبوه و الموحش ( لو اقتبسنا من حيدر حيدر عناوينه الكئيبة ) ، حتى أنها تتحول لمرصد يسجل كل عيوب البشرية ، بما في ذلك التفريط بالذات و خيانتها.

***

استغرقت كتابة ھذه الروایة حوالي أربعة عقود ، و نشرت مرتین ، و خلال ذلك شھدت المنطقة عدة حروب و تطورات ھامة . في تشرین 73 على الجبھة السوریة. ثم حرب الخلیج الأولى و الثانیة. و أخیرا حرب تحریر العراق بلغة الاستعمار الأمریكي . أي بمعدل حرب أساسیة لكل عشر سنوات.  و ھذا یعكس حقیقة الانفجار في الشرق الأوسط و الذي یتبع نفس القانون. حرب شاملة مخصصة لكل عقد تقریبا.  و ربما لھذا السبب لم تكن إعادة الكتابة مجرد تعدیل بسیط ، و عن هذه الظاهرة يقول برهان الخطيب : إنه مع الزمن یتعرف على شخصياته  بشكل أفضل، و یجد من واجبه أن یقدمھم بصورة أوضح، حتى یأتي الصمت ، فهو إشارة للدخول في مجتمع المدینة المكتمل الذي لا يحتاج لجدال أو نقاش ( 5 ) . و برأیي إنه لا توجد علاقة بین الصیغتین 1 و 2 من الرواية. كان اسم المكان ( و ھو شارع أبو نواس ) و أسماء الشخصیات ھي الرابط ، كما فعل إیفو أندریتش في ( جسر على نھر درينا ) ، و ھذه علاقة مزیفة ، أو أنھا علامة تجاریة لسلعتین مختلفتین . إن الفارق بین الصیغتین یشبه الفارق بین ظرف المكان (  شقة ) و ظرف الزمان (  لیالي الأنس ). و یشبه أیضا الفارق بین أدوات الواقع التي تجسم العواطف و تدعونا للاقتراب من الأشخاص بعامل الشفقة أو التناقض، و أدوات التحلیل التي تسخر من التاریخ و تھاجمه و تشك به ، و لا تستطیع أن تسمي الأشیاء بمسمیاتھا ، و لكن بواسطة الرموز . ھل ھذا بفعل انقلاب الكھولة و حكمة الشیوخ . ھل ھذا لأن الدراما أصبحت أكثر رعبا و أجدى في تفسیر لغز الموت البغیض . أم بسبب خیبة أمل الكاتب و أبطاله مما ناضلوا في سبیله طویلا و لم یصلوا في خاتمة المطاف إلا لقبض الریح.

و مع أن النسخة الثانیة( بالأحرى الاستطراد في التفاصیل و متابعة مصیر الشخصیات الضعیفة و المھزوزة )    تبدو للعین أكثر نضجا و اكتمالا و أقرب من اللعبة الفنیة و أقوى في التعامل مع الفضاء و ترتیب العناصر فیه كالحوار و الدیكور و المونولوجات ، تبدو لي قشرة النسخة القدیمة متماسكة و لا یمكن كسرھا.

لقد استدعى شعور الأبطال بالھزیمة موقفین على أتم التباین :

- 1  تحمل النتائج الفادحة و تقاسمھا على الملأ .

-2  ثم التھكم و الھزء منھا.  ( و ھذا ھو جوھر موقف سامي الشخص الأول في الروایتین الذي اختار أن یضحك على نفسه و على الناس ، و جوھر موقف عداي المستھتر و الماجن الذي اعتقد أنه بالسخریة و التھكم یمكن إنقاذ أنفسنا من أنفسنا ) (  6 ).

و استدعى ذلك ، بالضرورة ، أن یقف ھؤلاء المساكین على عتبات بیتھم المكشوف و الضعیف : أولا - استعدادا لشتات سیاسي و اجتماعي دون أي تبشیر بأنبیاء و مھرجي المرحلة القادمة . و ثانیا - استعدادا للعودة و ضم الشمل دون أي برنامج واضح للبناء و الإعمار.

إن الھم الأساسي لروایة (  لیالي الأنس ) ھو التستر على عورات و عنتریات أبطالھا و التغطیة على فضائحھم المكشوفة ، لذلك تحملت بما یزید على المعدل من الحوارات غیر الأفلاطونیة و الحكم و المواعظ ، بعكس صیغة عام 1972 التي كانت تلتھب بلسان نار مشتعل كان یحترق و في نفس الوقت یضيء.

و كان من المنطقي ، عندئذ ، أن تتحول علاقة ( الأخوة الأعداءبمعادلة دیستویفسكي الشھیرة ) إلى علاقة أخویة تقلیدیة ینقصھا الغرام العنیف و الدامي و المدمر أو الغرام العفیف حتى لو لم یكن طاھرا. و بھذه المناسبة دخلت على الصورة ، غیر علاقة الصراع السافر، شوائب لا یمكن تفادیھا مثل الإنترنت و الموبایل و الساتالایت و قوات التحالف، بحیث أن العالم كله اشترك بانتھاك تلك العاطفة المحرمة ، و حولھا إلى مشھد بغاء عام و مؤسف.  و ھذا یعني أن النبرة البسیطة في الروایة القدیمة حلت محلھا نبرة مركبة و تعمل على عدة مستویات : سرد تنشط فیه الحركة ( أو الحبكة ) ، و حوار مخصص لمقارعة الحجة بالحجة ، و فقرات للتأمل و للتعلیق و التي تشبه میتا نص من درجة ثانیة.  و ھذا أصاب مفھومنا للزمن بكسور متعددة ، و كانت الصور و الذكریات تكشف عن نفسھا مثل صورة مجزأة تعكسھا أجزاء من مرآة. و لم یكن الخیال یمھد للانتقال من تفاصیل أحداث تدور في الستینات لأحداث أخرى جسیمة لم تقع إلا  بعد عام  2003.

و بوجیز العبارة ، إذا كان ھبوب الریاح في نصه السابق باتجاه مخصص ، و الفقرات لا تنتھي ، و ھي أقرب لتكنیك القصیدة المدورة ، یبدو الحال ، في النص الثاني المعدل ، أشبه بعدة خیوط لھا حبكة من ثلاث طبقات : أحداث لا یربطھا شيء.  و أحداث متقاطعة.  و أخیرا كتلة متشابكة و متضامنة من الأحداث ذات البنیة البلوریة الكتیمة.  و لذلك إن صراع الأجیال و التفتیش عن شخصیةقومیة بلغة التعبیر السیاسي القدیم ، توجب علیھا أن تحمل بالإضافة لما سلف علاقة الوطن بالغربة : كیف ننظر إلى المفاھیم الوطنیة حین لا یوجد منھا بین أیدینا غیر أفكار و ذكریات ، و حین یكون التلامس على مستوى الخیال و التحفز فقط.  و ھذا ینسحب على مجمل التجربة الوجودیة لحالة ( الأرض و المنفى ).  و ھي نفسھا أحلام و كوابیس الغربة و الوطن كما ورد في الصفحات الأولى من   روایة ( لیالي الأنس )  ( 7 ).

و ھذا طباق آخر یضع التمني و الرغبات في صف واحد مع أحلام " الھیلة " الفرویدیة أو بالأصح أحلام " الهول "  التي تنجم من خبرات مرعبة و عنیفة یستحسن التغاضي عنھا . لقد كان برھان الخطیب مؤمنا بطریقة