معادلة الأخوة الأعداء : الوطن والمنفى في أعمال برھان الخطیب
بقلم : صالح الرزوق
لا یستعمل الروائي المعروف برھان الخطیب في أعماله الأساسیة علبة الماكیاج التي لجأت إلیھا الحداثة العربیة الكسیحة. و لا یحاول أن یمتحن ذكاء وذھن القارئ بالألغاز و الطلاسم التي استعملتھا الأسالیب المعاكسة التي یدعوھا النقد الفني باسم الروا یة - اللانص. فھو یحتفظ دائما في مجمل كتاباته بشخصیات للصف الأول، و معھا بعض الرموز الداعمة التي تعمل في الكوالیس. و في نفس الو قت لا یألو جھدا للمحافظة على إطار مشترك للأحداث، ذلك السیاق الھادئ و المتسلسل و الذي یشبه في أدائه انبلاج الفجر و انتھاء دورة الظلام.
و لكن ھذا لا یعني أنه یستعمل نفس محرك السیارة القدیم. فھو غالبا ما یخرج عن نص السیناریو الجاھز، و یدمج التكنیك الواقعي المفصل بطریقة تیار الشعور – المونولوج الذي یضمن لنا نافذة على مسرح الأحداث. و ھو في جمیع الأحوال مخصص لعالمین متشابكین : الوطن و المنفى. مع نافذة إضافیة مفتوحة على المجال النفسي لكل شخص. و لو أضفت لذلك حواراته الفلسفیة، و التي تكاد أن تصل لمشارف التأمل – التكھن – الحدس، یمكن أن نلاحظ كم ھو مغرق في متابعة تفاصیل الآخر، و كم ھو مسرف في الحصار المفروض على تفاصیل الخاص و المطلق.
و لبرھان الخطیب قانون أساسي، أن ینھمك بالتركیب بدل المحاكاة، و ھذا یعني إعادة تشكیل و تصدیر و تسویق الوا قع أو إعادة تدویر بل تفسیر الوثائق و المدونات. و لمزید من التوضیح : إنه یتبنى شكل الروایة التاریخیة لا لتقدیم دروس و عظات بل لكشف المسالك الخفیة و المعتادة التي لا بد من استخلاصھا و التطرق لھا. و ھي نفسھا التي تندرج تحت مبدأ الفرقة الناجیة أو مبدأ التحدي ، و التي تقترب من شكل الروایة الطبیعیة في إعادة إنتاج الواقع من خلال التركیز على أجزاء مختارة منه.
و لكنه لا ینسى في جمیع الظروف أن یحیلنا إلى سیرته الذاتیة و إلى محطات من حیاته، و ھذا یعني بالضرورة و ضمنا الھم السیاسي العام و العلاقة الشائكة بین الذات و المجتمع.
و لذلك استطاع و عبر مسیرته الطویلة التي امتدت لزھاء نصف قرن ( أو أقل بدرجة یسیرة ) أن یعبر عن الصور الاجتماعیة لعالم لا یدور و ینضبط إلا بفعل لولب السیاسة و حوادث التاریخ الجلیلة التي تترك وراءھا بعض الندوب ، و ما یستحق منا أن نسمیه ) بالإذن من علوم الإحصاء ( المتبقي residualأو بلغة الأدب الحنین و الشجن. و ضمن ھذا الخط الصاعد الذي تخطى عتبات لبیوت روائیة متعددة تندرج روایته ( على تخوم الألفین ) ( 1 ) ، ثاني أھم محطة في تاریخه الفني ، و التي یقدم لنا فیھا صورة عن صراع الحضارات ، بالمعنى الأنتروبولوجي للمصطلح ، حیث أنه یضع بلده العراق و مكوناته و بنیته الاجتماعیة ، أمام فضائین مختلفین:
- 1 قوات التحالف التي تبنت لأول مرة في التاریخ السیاسي المكتوب مھمة التبشیر بخطاب معرفي له رسالة سیاسیة .
- 2 ثم خالد ضمیر الكاتب و رمزه الفني، و ھو مراسل مغترب یعود أدراجه بعد الغزو لتغطیة الأحداث .
لقد كانت لبرھان الخطیب تجربة سابقة مع الروایة السیاسیة ، و ھي ( شقة في شارع أبي نواس)( 2 ) المعروفة باسم ) الروایة الممنوعة ( لأنھا كانت مدرجة في القائمة السوداء ، و هي لم توزع في أسواق الكويت و العراق في الثمانينات إلا عن طريق التهريب. و قام بهذا الدور الروائي المعروف إسماعيل فهد إسماعيل. لقد تكاتفت الأسباب لتضع هذه الرواية في صف واحد مع أبطالها المطاردين و المطلوبين لعدالة عمياء. و مع أنها لم تكن ذات أسلوب دائري مغلق كما ھو الحال في روایة ( الجنائن المغلقة ) ( 3 ) ، و التي تنتقل أحداثھا على طول قوس عریض یبدأ بموسكو و ینتھي باستوكھولم، مرورا بمحطة أساسیة و مریرة ھي دمشق ، و كما یفعل بالعادة أھم كتاب الروایة السیاسیة ربما للإعراب عن خیبات أملھم و عن الھزیمة المنكرة التي لحقت بالوجدان المطلق قبل أن تقوم بتفتیت البنیة ، فقد تعاملت مع التاریخ الوطني للعراق من الداخل ، و بشكل شھادة عیان أو وثیقة فنیة عن صراع یدور بین الأعراق المختلفة المكونة للمجتمع ، ثم بین المذاھب و الأحزاب. و لو شئنا الاحتكام لمصطلحات لوكاتش المعروفة نقول : الصراع بین البنیة التحتیة و الفوقیة . و ترتب على ذلك منغصات و أھمھا صعوبة رسم كامل الصورة و الاكتفاء بجزء منھا ، و بعبارة أوضح : الابتعاد عن التابوات ما أمكن دون التغاضي عنھا.
لقد توفرت لهذه الرواية أكثر من إشارة تربطھا ببواكیر عالم جبرا و لا سیما روایته ) صیادون في شارع ضیق( ، مع فارق واحد ھو أن جبرا بولیفوني بمعاییره و أدواته . فھو یرسم بكثیر من العمومیة و التجرید فكرة الأنتلجنسیا مقابل فكرة الرعاع. بدلیل أنه یستخدم أسلوب تقابل المفاھیم و الأفكار ، و لكن ھذا لا ینسحب على أسلوبه في المحادثة و الذي یبدو أنھ مستقر و یخضع لمقاییس البلاغة الرسمیة . أما عالم برھان الخطیب فھو على العكس ، إنه یساوي ما بین الصور و الأفكار و حتى ما بین المراجع. و لا توجد لدیه مسافة بین الریف و المدینة ، أو بين المنظمات و الأفراد . فالجمیع یعیشون بدوافع و مقتضیات احتیاجاتھم البسیطة. و ھنا یتساوى دافع النشاط السیاسي الساذج مع العلاقات الجنسیة المباشرة ، و تتساوى الرغبات مع الكوابح و تلغي نفسھا. و یبدو الزمن بلا حراك كأنه ساعة لا تدور عقاربھا ، أو أشبه بعوامة في وسط تیار راكد ، بنفس الطریقة التي قدمھا لنا نجیب محفوظ في ( ثرثرة فوق النیل ) ، و بالمقابل إنه یضع خطابه في خدمة شخصيات تكشف بأفعالها عن أصولها الطبقية و معارف المجتمع – بعبارة أخرى عن مطلق الصورة ، و ليس بنية الفرد أو الشخص. و هذا يرفعها من مستوى بطل روائي عادي إلى بطل واقعي يتشكل بالمجاز. لذلك إن شخصياته ( كما قال في رسالة خاصة بتاريخ 18 – 9 – 2011 ) : تتألف من تركيبات مختلفة ، فسامي الإنساني غير عداي المستهتر ، و غير حميد المناضل المهموم بقضية بزغ فجرها في وقت باكر ، و غير نعيمة المختلف عليها و الضائعة بسبب هويتها المركبة التي نشأت من تداخل الموجبات و الظروف . و هذا أفضل تعبير عن تنوع المذاهب و الأعراق في بلد شمولي. لقد توجب على تلك الشخصيات المتنوعة أن تقترب من الضد النوعي ، ليس بدواعي التسامح ، و لكن بالإكراه. و إذا اتفقنا أن نعيمة ، هي البجعة السوداء في الشقة ، أو أنها القضية التي تفترق عندها أو تتقاطع أهداف و غايات فرسان الشقة الثلاث ، فقد كان لـ 2 من أصل 3 موقف متشابه. و هو الإصرار على استغلالها و نهبها. و الإصرار على استنزاف طبيعتها العذراء و تحويلها من ذات إلى موضوع. و بمفردات الرواية : من بنت كردية بسيطة تبحث عن ملجأ أو حماية إلى مجرد موديل نصفه واقع بارد و نصفه الآخر خيال .
لا شك إن نجاح الرواية هو في هذا الإنجاز : أن لا تخطئ في النبرة الموجهة للقارئ و أن تترك للشخصيات الفنية حرية التصرف، و أن تستمر في الاستجابة لخطط الكاتب و رؤيته، و هكذا استطاعت إعادة تركيب المرحلة. و هذا يفسر لماذا يرى الكاتب في رسالته السابقة : إن الحكاية تبرأت من نفسها و تحولت إلى صورة شاملة عن فضاء عام. لقد عمدت إلى الصمت عن المكبوت السياسي، و أسرفت في الكشف عن عيوب الشخصيات. و كان من السهل أن تصنف هؤلاء الأبطال الفاشلين في خانة الأسباب فعلا ، سواء للهزيمة أو للتخلف.
لم توفر الرواية ، إذا ، لأبطالها القدرة على إدارة حوار وطني فيما بينهم . و كان النقاش أشبه بمجال افتراضي يدور بين : حقبة الأفكار الوطنية الرومنسية حيث أن اليد العليا للأسرة أو العشيرة أو القبيلة. و هذه أدوات كل أوراقها تمر من تحت الطاولة و بالخفاء. و حقبة الخيال الحديث الذي تخلى عن الشروط و الارتباطات بدفعة واحدة ، و استعد للتآمر على منطق الأب - الإله بمكوناته الأوديبية و الدموية المعروفة.
و بالتمادي في تفسير الرواية تعتبر الشقة و كأنها البروكسي الذي يربط الصورة مع التفاصيل . أو أنها السؤال و الجواب. بداية القول و نهايته. من ناحية هي علامة مسجلة عن الماضي المقيت: و خذ شكلها و موقعها على سبيل دليل تأكيد أو قرينة . فهي تشبه بأسلوب إجمالي قلعة مرعبة صغيرة لا تشتعل فيها الأنوار ، و تنفتح كافة أبوابها على خيوط الماضي ، و بقربها يمر دجلة ( و هو ينساب على مر العصور بلا اكتراث لما حدث و ما سيحدث ) ( 4 ) ، و تعصف بها من الداخل الوشايات و حوادث السفاح و الاغتصاب. و يقف على عتبات أبوابها السجان الجاهز . و من ناحية أخرى إنها علامة غير مسجلة عن الحاضر المخزي و عن الزمن المشبوه و الموحش ( لو اقتبسنا من حيدر حيدر عناوينه الكئيبة ) ، حتى أنها تتحول لمرصد يسجل كل عيوب البشرية ، بما في ذلك التفريط بالذات و خيانتها.
***
استغرقت كتابة ھذه الروایة حوالي أربعة عقود ، و نشرت مرتین ، و خلال ذلك شھدت المنطقة عدة حروب و تطورات ھامة . في تشرین 73 على الجبھة السوریة. ثم حرب الخلیج الأولى و الثانیة. و أخیرا حرب تحریر العراق بلغة الاستعمار الأمریكي . أي بمعدل حرب أساسیة لكل عشر سنوات. و ھذا یعكس حقیقة الانفجار في الشرق الأوسط و الذي یتبع نفس القانون. حرب شاملة مخصصة لكل عقد تقریبا. و ربما لھذا السبب لم تكن إعادة الكتابة مجرد تعدیل بسیط ، و عن هذه الظاهرة يقول برهان الخطيب : إنه مع الزمن یتعرف على شخصياته بشكل أفضل، و یجد من واجبه أن یقدمھم بصورة أوضح، حتى یأتي الصمت ، فهو إشارة للدخول في مجتمع المدینة المكتمل الذي لا يحتاج لجدال أو نقاش ( 5 ) . و برأیي إنه لا توجد علاقة بین الصیغتین 1 و 2 من الرواية. كان اسم المكان ( و ھو شارع أبو نواس ) و أسماء الشخصیات ھي الرابط ، كما فعل إیفو أندریتش في ( جسر على نھر درينا ) ، و ھذه علاقة مزیفة ، أو أنھا علامة تجاریة لسلعتین مختلفتین . إن الفارق بین الصیغتین یشبه الفارق بین ظرف المكان ( شقة ) و ظرف الزمان ( لیالي الأنس ). و یشبه أیضا الفارق بین أدوات الواقع التي تجسم العواطف و تدعونا للاقتراب من الأشخاص بعامل الشفقة أو التناقض، و أدوات التحلیل التي تسخر من التاریخ و تھاجمه و تشك به ، و لا تستطیع أن تسمي الأشیاء بمسمیاتھا ، و لكن بواسطة الرموز . ھل ھذا بفعل انقلاب الكھولة و حكمة الشیوخ . ھل ھذا لأن الدراما أصبحت أكثر رعبا و أجدى في تفسیر لغز الموت البغیض . أم بسبب خیبة أمل الكاتب و أبطاله مما ناضلوا في سبیله طویلا و لم یصلوا في خاتمة المطاف إلا لقبض الریح.
و مع أن النسخة الثانیة( بالأحرى الاستطراد في التفاصیل و متابعة مصیر الشخصیات الضعیفة و المھزوزة ) تبدو للعین أكثر نضجا و اكتمالا و أقرب من اللعبة الفنیة و أقوى في التعامل مع الفضاء و ترتیب العناصر فیه كالحوار و الدیكور و المونولوجات ، تبدو لي قشرة النسخة القدیمة متماسكة و لا یمكن كسرھا.
لقد استدعى شعور الأبطال بالھزیمة موقفین على أتم التباین :
- 1 تحمل النتائج الفادحة و تقاسمھا على الملأ .
-2 ثم التھكم و الھزء منھا. ( و ھذا ھو جوھر موقف سامي الشخص الأول في الروایتین الذي اختار أن یضحك على نفسه و على الناس ، و جوھر موقف عداي المستھتر و الماجن الذي اعتقد أنه بالسخریة و التھكم یمكن إنقاذ أنفسنا من أنفسنا ) ( 6 ).
و استدعى ذلك ، بالضرورة ، أن یقف ھؤلاء المساكین على عتبات بیتھم المكشوف و الضعیف : أولا - استعدادا لشتات سیاسي و اجتماعي دون أي تبشیر بأنبیاء و مھرجي المرحلة القادمة . و ثانیا - استعدادا للعودة و ضم الشمل دون أي برنامج واضح للبناء و الإعمار.
إن الھم الأساسي لروایة ( لیالي الأنس ) ھو التستر على عورات و عنتریات أبطالھا و التغطیة على فضائحھم المكشوفة ، لذلك تحملت بما یزید على المعدل من الحوارات غیر الأفلاطونیة و الحكم و المواعظ ، بعكس صیغة عام 1972 التي كانت تلتھب بلسان نار مشتعل كان یحترق و في نفس الوقت یضيء.
و كان من المنطقي ، عندئذ ، أن تتحول علاقة ( الأخوة الأعداء – بمعادلة دیستویفسكي الشھیرة ) إلى علاقة أخویة تقلیدیة ینقصھا الغرام العنیف و الدامي و المدمر أو الغرام العفیف حتى لو لم یكن طاھرا. و بھذه المناسبة دخلت على الصورة ، غیر علاقة الصراع السافر، شوائب لا یمكن تفادیھا مثل الإنترنت و الموبایل و الساتالایت و قوات التحالف، بحیث أن العالم كله اشترك بانتھاك تلك العاطفة المحرمة ، و حولھا إلى مشھد بغاء عام و مؤسف. و ھذا یعني أن النبرة البسیطة في الروایة القدیمة حلت محلھا نبرة مركبة و تعمل على عدة مستویات : سرد تنشط فیه الحركة ( أو الحبكة ) ، و حوار مخصص لمقارعة الحجة بالحجة ، و فقرات للتأمل و للتعلیق و التي تشبه میتا نص من درجة ثانیة. و ھذا أصاب مفھومنا للزمن بكسور متعددة ، و كانت الصور و الذكریات تكشف عن نفسھا مثل صورة مجزأة تعكسھا أجزاء من مرآة. و لم یكن الخیال یمھد للانتقال من تفاصیل أحداث تدور في الستینات لأحداث أخرى جسیمة لم تقع إلا بعد عام 2003.
و بوجیز العبارة ، إذا كان ھبوب الریاح في نصه السابق باتجاه مخصص ، و الفقرات لا تنتھي ، و ھي أقرب لتكنیك القصیدة المدورة ، یبدو الحال ، في النص الثاني المعدل ، أشبه بعدة خیوط لھا حبكة من ثلاث طبقات : أحداث لا یربطھا شيء. و أحداث متقاطعة. و أخیرا كتلة متشابكة و متضامنة من الأحداث ذات البنیة البلوریة الكتیمة. و لذلك إن صراع الأجیال و التفتیش عن شخصیة – قومیة بلغة التعبیر السیاسي القدیم ، توجب علیھا أن تحمل بالإضافة لما سلف علاقة الوطن بالغربة : كیف ننظر إلى المفاھیم الوطنیة حین لا یوجد منھا بین أیدینا غیر أفكار و ذكریات ، و حین یكون التلامس على مستوى الخیال و التحفز فقط. و ھذا ینسحب على مجمل التجربة الوجودیة لحالة ( الأرض و المنفى ). و ھي نفسھا أحلام و كوابیس الغربة و الوطن كما ورد في الصفحات الأولى من روایة ( لیالي الأنس ) ( 7 ).
و ھذا طباق آخر یضع التمني و الرغبات في صف واحد مع أحلام " الھیلة " الفرویدیة أو بالأصح أحلام " الهول " التي تنجم من خبرات مرعبة و عنیفة یستحسن التغاضي عنھا . لقد كان برھان الخطیب مؤمنا بطریقة