على الحافة : تكنولوجيا جديدة في صناعة النسيج
بقلم : ألباين ف. تيورباك
ترجمة : صالح الرزوق

في اليوم الحالي إن قميصا ذكوريا يتألف من خيط مستمر طوله 900 ميلا . . و هذا يكفي ليمتد من أطلانطا إلى مدينة نيويورك. تصنع الألياف المستمرة بشكل غزول ناعمة و بسرعة 250 ميلا في الساعة. و إن القدرة على إنتاج غزول ناعمة تبلغ سرعة الطئرات النفاثة مع دقة عالية و ذلك في ظروف استطالة ثابتة ، و ترتيب جزيئي فراغي ، و قطر تيلة ، و متانة نوعية ( متانة الخيط في وحدة الوزن ) و هذه جميعا توضح على نحو دراماتيكي مهارة تكنولوجيا النسيج الجديدة.
إن الأنماط الحديثة من عمليات تصنيع الأنسجة تحوز على مواصفات تضيف إلى الممارسات السابقة جوانب عديدة غير متوقعة . و مع أن الصناعة النسيجية لا تزال ذات دور فعال في إنتاج الملابس التي نرتديها و في عدد لا يستهان به من المفروشات التي نستخدمها في بيوتنا و مكاتبنا ، فهي ذات نفع أيضا على نطاق واسع في الطب ، و الرشاقة ، و الملاحة الجوية ، و مقاومة التلوث ، و ضمنا حقل واسع آخر من الإنجازات. و إن بعض العمليات التصنيعية الجديدة للمنسوجات لها صفات نوعية تسمح لها بمقاومة – التبقع ، والنار ، و هي أيضا صلبة. بعضها عبارة عن مادة أولية " بلا حياكة " قوامها ألياف متداخلة. و إن الإبداعات في تكنولوجيا النسيج تتواصل . و لا شك سوف ينجم عن ذلك منتجات غير معهودة.
استبدال الأعضاء البشرية
بعض الألياف و المواد النسيجية مفيدة خصوصا في بناء الأعضاء البشرية الصناعية و إن علماء الطب البشري يوسعون على نحو مستقر من نوع الأعضاء البشرية التي يمكن محاكاة وظائفها.
تصنع الكلية الصناعية من 7000 تيلة جوفاء ، كل واحدة منها بحجم شعرة الإنسان. و المرضى الذين يعانون من فشل كلوي يجب تنظيف دمائهم بغسل النفايات الاستقلابية و فائض الرطوبة و بمعدل مرة كل ثلاثة أيام. و هذا يتحقق بضخ الدم في عبوة من لألياف النسيجية الجوفاء ، حيث أن المحلول المنظف يخلص الدم من اليوريا و الكريتينين وسواهما من الشوائب. و تعتمد المشافي أيضا على غسيل الدم لمرضى تعرضوا للتسمم أو لجرعة مفرطة من الأدوية و العقاقير. هذه التقنية محبذة بالمقارنة مع الطريقة الطبيعية التي تستغرق فترات طويلة للحفاظ على الحياة. دون رايون- أمونيا النحاس المحضر خصيصا بشكل ألياف جوفاء ، لن تحصل على كلية صناعية . و إن آلافا من البشر سوف يلاقون حتفهم سنويا. ألياف الرايون هذه تتتمع بثغور لها أحجام مناسبة تسمح بمرور السموم و نواتج النفايات منها ، و لكنها تحجزالدم و تعيده إلى الجسم بعد التنظيف.
و الأوعية الصناعية قوامها أنابيب من ألياف بوليستير و تستخدم لعلاج مرضى يعانون من أوعية مسدودة تغذي الساق. و المرضى المصابون بالسكري يعانون إجمالا من انسداد كوليسترولي في أوعية تغذي القدم. و إن لم يصحح هذا الخلل ، ينجم عنه دورة دموية ضعيفة تؤدي إلى الغرغرينا و من ثم فقدان الأعضاء. و الأوعية الصناعية التي لها قطر قلم الرصاص توازي خرطوم المكنسة التي تعمل بقوة التفريغ و يتم زرعها بعمليات جراحية لتجاوز مشكلة الانسداد. ثم إنها تعيد الدورة الدموية إلى سابق عهدها و تنقذ وظائف الأعضاء. و زراعة الأعضاء هذه بحاجة إلى تكنولوجيا نسيجية متقدمة كي تمنع التخثر و الفشل. و يقدر أن أكثر من 150.000 شخصا خضعوا لمثل هذه العلاجات بالأوعية الصناعية خلال خمس سنوات مضت في الولايات المتحدة فقط.
و إن القلب الصناعي جارفيك – 7 ( 1 ) يتركب من الألياف النسيجية بنسبة تزيد على 50 % منه بما في ذلك البنية التحتية التي قوامها بولي يوريثين و ضمنا مفصل فيلكرو الذي يؤمن الراحة المناسبة.
و الخيوط الطبية المصنعة من ألياف نسيجية متعددة ( الحرير ، كولاغان ، البوليستير ،أو النايلون ) التي تستخدم في خياطة الجروح هي من بين الأنسجة الأعلى ثمنا ، و يباع منها ما يزيد ثمنه على 2.000 دولارا لكل رطل.
و إن استبدال العظام بمركبات من ألياف الكربون ليست ذات مضاعفات ( لا يرفضها الجسم ) . و بالضبط المناسب لمسامية هذه المركبات ، يسمح لأنسجة العظام الجريحة بالنمو و التجانس ضمن وحدات التعويض الغريبة.
و من الأمثلة العملية على تكنولوجيا النسيج في مجال الطب نذكر مفارش طاولة العمليات و هي ألياف بلا حياكة و معقمة و تستعمل لمرة واحدة ، ثم أقنعة الجراحين ، و المريول الذي يستخدم أيضا لمرة واحدة. و حتى لا تتشوه أغطية العمليات الجراحية أثناء العمل حينما تتلوث بالدماء ، يضاف إليها نايلون خاص غير قابل للاستطلة يدخل في تركيب أقمشة بلا حياكة.
و في نطاق هندسة الفضاء ، تجد اختراقات جديدة لبعض التطبيقات التي تنجم عن البحوث المخبرية ، مثل البنية المركبة ، و تنقية المياه و مقاومة التلوث .
الألياف الصناعية المبكرة
أصلا جميع المنسوجات تصنع من ألياف طبيعية مثل القطن ، الصوف ، الموهير ، الكتان ، و الوبر . و هي كلها متوفرة بشكل ألياف لها أطوال محددة يجب تحويلها إلى غزول قبل أن تتحول إلى أقمشة. و لقد كان الحرير أول شريط أحادي له كتلة أو قوام. و على امتداد سنوات كان لدى العلماء هاجس لانتاج حرير" صناعي " . و تحقق ذلك في أواسط الـ 1800 ـات ، حينما تم إنتاج الرايون من محلول سيللوزي يعاد تصنيعه تحويليا بشكل أشرطة رفيعة براقة تشبه الحرير. و أعقب ذلك فورا إنتاج الأسيتات المجهز من تحويل السيللوز مع الخلات اللامائي ( 2 ) ثم " الغزل الجاف " انطلاقا من المحلول المكثف ، و ذلك بغاية استنباط المذيب الأسيتوني العضوي.
هذه التطورات وضعت الأساس العلمي الذي قاد والاس كاروثيرز العامل في شركة دو بونت لاختراع ألياف و غزول النايلون و ألياف البوليستر. و تحت ضغط التنافس في تلك الأوقات ، انتحر كاروثيرز على خلفية اعتقاده أن جهوده أخفقت ، و لقد كان مديره غير سعيد بما حققه على وجه الإجمال. و لكن النايلون ، كان و لا زال ، نجاحا مذهلا على المستوى التجاري. إنه ينتج أليافا تتمتع بمتانة أكبر ، و مقاومة أعلى للاحتكاك ، و مرونة مع تجاعيد عكوسة ، و هو من السهل العناية به بالمقارنة مع المواد الليفية السابقة. و إن الجوارب النايلونية المصنعة بآلات التريكو نجحت في أسر قلوب الجماهير الغفيرة بجمالياتها المبهرة. و خلال الحرب العالمية الثانية كان من الممكن تبادل و بيع أي شيء له قيمة مقابل زوج من جوارب السيدات النايلونية.
و أت متانة النايلون العالية إلى استخدامه في صناعة الدواليب فحل محل أسلاك الرايون. و هذا كان من نتائج التسويق الذكي و ليس لتفوق النايلون على الرايون. و على أية حال ، إن مشكلة التسطح المحلي الناجمة عن تدعيم الدواليب بالنايلون و التي لم تتحرك طوال ليلة بكاملها دفعت المنتجين لاستخدام التدعيم بالزجاج ، أو الفولاذ ، أو البوليستر.
و كذلك إن تقدما واضحا في تكنولوجيا الألياف تحقق في فترة تمتد من 1930 إلى 1950 . و هذا يعود لاختراعات الألماني كارل زيغلير ( 3 ) في منتصف الـ 1950 ـات . بذلك صنع العتبة للدخول إلى عصر جديد شاهد تقدم الألياف النسيجية. لقد اكتشف زيغلير طريقة انتاج بوليميرات جزيئات الإثيلين ، و كانت في ذلك الوقت من نفايات مصافي النفط. و البوليمر هو أي مادة تتألف من جزيء عملاق قوامه جزيئات أصغر من نفس المادة. و إن الوزن الجزيئي للبوليمير يعطي فكرة عن عدد الوحدات البنائية التكرارية المتربطة في سلسلة واحدة. على سبيل المثال ، الوحدة الأساسية ( و تدعى مونومير ) لغاز الإيثيلين ( CH2 = CH2 ) لها وزن جزيئي يبلغ 28 ، و لكن 10 وحدات مترابطة طرفيا لتشكل البوليمير 10( CH2 = CH2 ) لها وزن جزيئي يبلغ 280 مع درجة بلمرة هي اسميا 10 .
اكتشف زيغلير مادة تحرض على تشكيل البولي إيثيلين بوزن جزيئي مرتفع . و بضخ غاز الإيثيلين في هذا المحرض على الانتشار ، ينتج بوليمير الإيثيلين ، البولي إيثيلين و الذي من السهل تصنيعه عن طريق صهره ، و إن مواصفات انصهاره عالية بالمقارنة مع الشموع ذات الوزن الجزيئي المنخفض التي كانت تستخدم سابقا في إغلاق القوارير لتخزين الاحتياجات المنزلية.
و لكن طبيعة زيغلير المطمئنة قادته إلى المصاعب. فقد شارك على سره بخصوص المحفز الكيميائي ، خوليو ناتا ( 4 ) ، و هذا غادر إلى يطاليا ، و استخدم نفس المحفز و نظامه في بلمرة غاز البروبلين لانتاج البولي بروبلين ( 5 ) . إن الإيثيلين و البروبلين وحتى الوقت الحالي كانت من نواتج نفايات تنقية النفط. و أنواع البوليميرات التي تشكل من كليهما يدعى البولي أوليفين المنتظم. و إن إمكانية تحديث هذه الغازات الرخيصة و تحويلها إلى مطاط ( بلاستيك ) و ألياف حازت على الدعم الفوري من شركات النفط و التي قدمت النفايات و حققت منها أرباحا طائلة. و هكذا دخلت في نطاق صناعة المنسوجات انطلاقا من بوابة تصنيع الألياف.
و انتهى الأمر بين زيغلير و ناتا ، رفاق الأمس ، إلى قطيعة تامة. و تلقى ناتا جائزة نوبل لاختراعه البولي بروبلين المنتظم. و حصلت شركة فيليبس للصناعات النفطية ( 6 ) على براءة الاختراع لانتاج البولي أوليفين المنتظم على نطاق تجاري و لكن ، أساسا ، بأسلوب مختلف كليا عما كان يجري في المختبر. و إن استخدام البولي بروبلين يعتبر حاليا من لزوم السجاد و الأثاث المنزلي و مفارش و أثاث الهواء الطلق ، حيث يمكن بسهولة التخلص من الرذاذ و البقع بواسطة الماء و الصابون.
تقدمت صناعة المنسوجات فيما بعد و أصبح البولي بروبلين مضادا للبل ، وأمكن غزل ألياف ذات أساس شمعي و ناعمة. و إن الألياف المصنعة بنفس الطريقة تمتص المياه مثل الألياف الطبيعية. مثل هذه الألياف الناعمة تستبقي من السوائل مقدارا تسمح به الفراغات الشعرية بين الألياف كما تفعل الألياف الطبيعية حين تمتص السوائل و تحتفظ بها في بنيتها الذاتية. و اليوم ، إن الثياب الداخلية المخصصة لبلاد ذات حرارات منخفضة ، يمكن ارتداؤها على الجلد لتحافظ على جفاف الجسم ، فهي تتخلص من نتائج التعرق بواسطة الفراغات الشعرية ثم عن طريق طبقة خارجية أكثر قدرة على الامتصاص.
الألياف المقاومة للاحتراق
مع التطور التجاري للبولي أوليفين المنتظم ، دخل تاريخ النسيج في فصل جديد ، و يعود فضل ذلك إلى ستيفاني كواليك ، من ديو بونت. لدى إعادة تمحيص كيمياء النايلون في عام 1957 ، قامت بدراسة البولي أميدات الناجمة عن أحماض أروماتية ( حلقات كاربون مغلقة ) ، و أمينات أروماتية ، و ليس النظام الأليفاتي السابق ( سلاسل كربون مفتوحة ) و الذي كان يستخدم في النايلون العادي. للنايلون الأروماتي بنية هيكلية صلبة لأن الحلقات المتتالية ذات درجة محدودة من ناحية الحرية في الحركة و ذلك على خلفية البنية الأصلية و المتراكمة. مثل هذه النايلونات الأروماتية لا تذوب بسهولة و لكن من السهل تذويبها في أنظمة مذيبة مغايرة و ينجم عن ذلك محلول عالي الكثافة. و بالعمل ضمن أنظمة من هذا النوع ، لاحظت كواليك ، و هي تحاول تذويب بوليمرات أخرى عديدة ،أنها وصلت إلى نقطة ، حيث أن إضافة بوليمرات أخرى ، ينتج عنها سائل أقل كثافة و ليس محلول الفيسكوس.
عند هذا الحد ، نجم عن المحلول بريق نتيجة تشكل طور سائل – كريستالي. و إن غزل الألياف من هذا النظام الكريستالي السائل قاد إلى زيادة ملحوظة في المتانة و الصلابة ، و هذا المنتوج المصنع بتلك الطريقة تم تسويقه باسم " كيلفار". و الألياف المغزولة من محلول السائل – الكريستالي كانت تبدي عموما متانة عالية و معامل صلابة عالية مع مطاطية مرتفعة .
بمقدور المرء أن يتخيل طور السائل – الكريستالي حيث أن قضيب البوليمرات المستقيم ينتظم في شبكة تشبه عيدان الثقاب أو " نكاشات الأسنان " حينما تصف مع بعضها البعض. و إن التعرض للشد أثناء أو بعد الغزل هو أكثر تأثيرا في الحصول على انتظام جزيئي جيد و متانة ألياف عالية في وحدة الوزن ( المتانة الذاتية ) مع معامل مطاطية.
و كنتيجة للانتظام عالي الدرجة ، مثل هذه الألياف تصبح ممتازة بعد الشد و لكن ضعيفة بعد الضغط و تنخفض درجة استطالتها و متانتها عند كل عقدة. و معظم ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |